قاهرة المعز هى عشق نجيب محفوظ الأول.. وشوارع وحارات وأزقة «الحسين» و«الأزهر» و«الجمالية» هى الأماكن التى تدور فيها الغالبية العظمى من قصصه ورواياته فى «الشحاذ» قدَّم تشريحا وافيا لتجربة نفسية عميقة تصيب بعض البشر فى مرحلة منتصف العمر
ثم جاءت رواية «اللص والكلاب» مباشرة بعد «أولاد حارتنا»، وهى رواية قصيرة، ومختلفة تماما عن سابقتها، ومختلفة -كذلك- عن سائر أعمال محفوظ، وإذا كان الأستاذ قد أعلن أن هذه الرواية مأخوذة من جريمة محمود أمين سليمان، أو حكاية السفاح المشهور فى ذلك الوقت، فثمة علاقة بالتأكيد بين هذا اللص سعيد مهران الذى تعرض للخيانة من زوجته وصديقه، والمؤلف الشاعر بمذاق الخيانة أيضا، مما شحن الرواية بشعور عنيف بالغدر والخيانة والخسة، فعن أى خيانة يتحدث المؤلف؟ لعلها خيانة الصديق أو الأصدقاء؟ فعن أى أصدقاء يشير كاتبنا الكبير؟ ثمة مرارة قوية كسحابة كثيفة تبدو بين السطور، ومن خلال العبارات والكلمات، فما سبب كل هذه المرارة فى نفس الكاتب؟ وماذا حدث لسن هذا القلم العبقرى؟ وهل هذا بسبب تغير «نبوية»، وإنكار «سناء»؟ أم هذه بعض نتائج معركة «أولاد حارتنا»؟ أم هى مرارة عميقة من نظام حكم بانت ملامحه الحقيقية؟ وهل هذا الشعور بالخيانة بسبب أفعال من ادعوا أنهم ثوار يدافعون عن كرامة الشعب وحقوقه، فإذا بهم يذيقون قطاعات من الشعب سوء العذاب؟ أو كما يعبر محفوظ بقلمه: «وقال هو على الخازوق باسما: جرت مشيئته بأن نلقاه هكذا».
تملَّك محفوظ شعور بالخيانة بسبب أفعال من ادعوا أنهم ثوار يدافعون عن كرامة الشعب وحقوقه ثم أذاقوه سوء العذاب
وهذا الصحفى المخادع، ذو الوجهين، «رؤوف علوان» ألا يذكرنا بأجهزة إعلام كبرى، ومؤسسات إعلامية ضخمة لا هم لها سوى إخفاء الحقائق وتضليل الرأى العام؟
وُجهت أسئلة كثيرة إلى الأستاذ حول هذه الرواية البديعة، وعن المغزى الكامن فى طيات العمل الأدبى، ولم نسمع منه كلاما مباشرا عمن هو هذا اللص فى واقع حياتنا، كما لم نعرف منه مَن هم الكلاب؟ ولكن هل نحن حقا لا نعلم من هم اللصوص؟ ومن هم الكلاب؟
قاهرة المعز هى عشق نجيب محفوظ الأول، فشوارع وحارات وأزقة «الحسين»، و«الأزهر»، و«الجمالية» هى الأماكن التى تدور فيها الغالبية العظمى من قصصه ورواياته، وثمة عشق آخر لمحفوظ، هو الإسكندرية، ففيها جرت أحداث عدد آخر من القصص والروايات، كما فى روايات: «السمان والخريف» و«ميرامار» و«لطريق»، فكم عشق الأستاذ الإسكندرية القديمة، إسكندرية الثلاثينيات والأربعينيات والخمسينيات، حيث كانت الإسكندرية مدينة «كوزموبوليتان» متعددة الجنسيات والأعراق، يسكنها الكثير من الأجانب والمتمصرين. وقد استمر الأستاذ مواظبا على السفر إلى الإسكندرية كل صيف، حتى إنه استأجر شقة هناك (فى منطقة سان ستيفانو) طوال العام، ليتمكن من السفر إليها فى أى وقت شاء، إذ لم يكتف بشهور الصيف فقط، فقد كان من عاداته فى أواخر السبعينيات، وطوال الثمانينيات أن يسافر إليها يوما أو يومين فى كل شهر من شهور الشتاء أيضا، واستمر نظامه هذا حتى حدثت محاولة الاغتيال الآثمة فى الساعة الخامسة إلا الربع من مساء يوم الجمعة الرابع عشر من أكتوبر 1994م.
وفى رواية «السمان والخريف» عبَّر الأستاذ بذكاء عن صراعات السلطة، وتأثيرها على حياة الناس، وقد عاشها وخبرها فى واقعنا حينذاك، كما وصف بدقة ما يحدث للبعض حين يتم عزله من وظيفته لأسباب سياسية، فيكاد أن يضيع فى دنيا الناس. أما فى «الشحاذ» فقد قدَّم تشريحا وافيا لتجربة نفسية عميقة تصيب بعض البشر فى مرحلة منتصف العمر، حتى إن بعض الأطباء النفسيين، قالوا إنه لا يمكن أن يكتب كاتب مثل هذا الوصف الدقيق لهذه الحالة النفسية، ما لم يكن قد تعرض لها هو شخصيا، وقد سألت الأستاذ عن ذلك، فقال إنه لم يدخل فى حالة من الاكتئاب بمعناه المرضى، ولكنه كان فى بعض الأحيان يقترب منه، كما أنه عايشه مع بعض أصدقائه الذين تعرضوا لمرض الاكتئاب الشديد. وتتجلى هنا موهبة محفوظ العظيمة، وقدرته الفائقة على سبر أغوار النفس الإنسانية، والتعبير عنها بدقة وعمق، وأنظر فى كلماته: «ما أفظع أن لا يستمع لغنائك أحد، ويموت حبك لسر الوجود! ويمسى الوجود بلا سر».
أما رواية «ميرامار» فقد استمد الأستاذ اسمها من مكان كان موجودا بالإسكندرية فعلا، ولكنه خلق عالما خاصا فى هذا البنسيون الهادئ، وعبر من خلال أصوات عدد من الشخصيات فى عالم «ميرامار» الصغير، عن جوهر صراع الحياة فى مصر كلها فى سنوات الستينيات.
وفى رواية «الطريق» كانت ثمة رحلة روحية أخرى، حيث يبحث «صابر» عن أبيه العظيم «سيد سيد الرحيمى»، صاحب السيادة والرحمة، والذى «ستجد فى كنفه الاحترام والكرامة، وسيحررك من ذل الحاجة إلى أى مخلوق»، وكأنما هى رحلة بحث الإنسان التائه عن الخالق الأعظم، أو هى تعبير عن معاناة الإنسان المعاصر فى بحثه عن طريق الخلاص. إنها رحلة روحية طويلة قطعها نجيب محفوظ نفسه عبر مراحل متعددة، وفلسفات متباينة، وتأملات عديدة، وكتابات أدبية وصوفية كثيرة. فنزعة محفوظ الصوفية تسرى فى أعماله جميعا، ويمكنك أن ترصدها بوضوح فى عمل بعد آخر.
وقد كتب نجيب محفوظ مئات من أجمل القصص القصيرة فى الأدب العربى، وجمعت فى عشرين مجموعة قصصية، إحداها لم تصدر بعد! وهذا الكم الكبير من روائع القصص القصيرة، تضع نجيب محفوظ ضمن قائمة أعظم كتاب القصة القصيرة فى العالم أجمع. لكننا -فى حياتنا الثقافية- نحب، أو نستسهل أن نضع كل مبدع فى خانة معينة، فنجيب محفوظ روائى، وروائى فقط، أما القصة القصيرة فكتابها الكبار هم فلان وفلان!
ولا يمكن أن نتوقف هنا عند كل قصص الأستاذ، لكننا سنشير إلى قصة من أروع ما كتب فى فن القصة القصيرة، وهى قصة «زعبلاوى» ضمن المجموعة القصصية «دنيا الله»، فهذه القصة أمثولة جميلة للحب الإلهى، والسعى الروحى فى دنيا الله، فهى تبدأ هكذا: «اقتنعت أخيرا بأن على أن أجد الشيخ زعبلاوى. وكنت قد سمعت باسمه لأول مرة فى أغنية: الدنيا مالها يا زعبلاوى شقلبوا حالها وخلوها ماوى».
وكأنما زعبلاوى هذا هو المسؤول عن حال هذه الدنيا وتقلباتها، ثم يضيف: «حتى أصابنى الداء الذى لا دواء له عند أحد، وسدت فى وجهى السبل وطوقنى اليأس، فخطر ببالى ما سمعته فى عهد طفولتى، وتساءلت لمَ لا أبحث عن الشيخ زعبلاوى؟!»،
فما هذا الداء الذى لا دواء له؟ والذى لا يعالجه سوى الوصول إلى زعبلاوى؟ إنه يؤكد -طوال القصة- أن زعبلاوى حى بلا ريب، كما يشير إلى طبيعته التى تحير العقول، ولذا هو يُتعب كل من يريده، فكم تعذب أناس فى البحث عنه، لكن «هذا العذاب من ضمن العلاج».
وهو أيضا جميل يحب الجمال، كما يصفه بأنه الطرب نفسه، لذلك غنى: «أدر ذكر من أهوى ولو بملامى فإن أحاديث الحبيب مدامى».
ثم تنتهى رحلة البحث فى هذه القصة بما بدأت به، هكذا: «فالحق أننى اقتنعت تماما بأن على أن أجد زعبلاوى.. نعم، على أن أجد زعبلاوى..».
وإذا وصلنا إلى رواية «ثرثرة فوق النيل» يمكننا أن نرى جانبا مهما فى رؤية نجيب محفوظ الاستشرافية، فكأنما كان يرى المستقبل وهو يكتب هذه الرواية الكاشفة عما سيحدث فى المستقبل القريب، فهذه هى رواية النكسة بامتياز، وقد صدرت عام 1966م، أى قبل النكسة بعام واحد، ومن يقرأها جيدا سيرى أمامه رؤية واضحة تماما لمستقبل مصر، فأحوال البلد، وتصرفات نظام الحكم ورجاله، كانت بمنزلة مقدمات، لا بد أن تتبعها نتائج، وقد رصد المؤلف أحوالنا بدقة، وعبر عنها من خلال فنه الراقى وأدبه الجميل، فقد كانت مصر مقبلة على كارثة كبيرة، وقد استشرف كاتبنا الكبير أجواء النكسة وملامحها، لكن مَن يقرأ ومَن يفهم؟!
وتبدأ الرواية بهذه الكلمات: «أبريل شهر الغبار والأكاذيب..»، ثم يؤكد على: «أن السفينة تسير دون حاجة إلى رأينا أو معاونتنا..»، فأمور البلد كلها تسير دون حاجة إلى معرفة رأى الشعب فى ما يجرى من أحداث وخطط وقرارات مصيرية! ومن ثم كان جو العوامة المعبأ بغبار الحشيش ورائحته، بينما الشخصيات تتحرك بطريقة تبدو عشوائية أو عبثية، عبث على مستوى الفكر والسلوك، وفى الوقت نفسه ثمة مسرحية تدور فكرتها عن الجدية فى مواجهة العبث، «والعبث هو فقدان المعنى، معنى أى شىء. والسير فى الحياة بدافع الضرورة وحدها ودون اقتناع وبلا أمل حقيقى». ومن مفارقات العبث المثيرة للتفكر، قوله إن «بكيت نفسه أول من يسارع بإقامة الدعوى على ناشر إذا أخل بشرط من شروط العقد».
ويخط قلم المؤلف هذه اللقطة التاريخية المثيرة للتأمل: «وإذا بفرعون يجهش فى البكاء، فيلتفت قمبيز نحوه سائلا عما يبكيه فيشير إلى رجل يسير برأس منكس بين الأسرى ويقول: هذا الرجل! طالما شاهدته وهو فى أوج أبهته فعز على أن أراه وهو يرسف فى الأغلال». إنه مشهد النكسة يصوره محفوظ قبل حدوثه، ويقدمه إلينا على أمل أن نرى معه المستقبل الذى نتجه إليه دون أن نراه!
وثمة كلمات تستوجب النظر، تأتى ضمن الحوار فى نهاية الرواية، إذ كتب: «أصل المتاعب مهارة قرد.. تعلم كيف يسير على قدمين فحرر يديه.. وهبط من جنة القرود فوق الأشجار إلى أرض الغابة.. وقالوا له عُد إلى الأشجار وإلا أطبقت عليك الوحوش.. فقبض على غصن شجرة بيد وعلى حجر بيد وتقدم فى حذر وهو يمد بصره إلى طريق لا نهاية له».
ومن المدهش أن هذه الرواية الخاصة بمرحلة معينة من تاريخ مصر المعاصر كان لها نجاح كبير خارج مصر، بل وخارج عالمنا العربى، حتى أشارت إليها حيثيات جائزة نوبل ضمن عدد من أعمال نجيب محفوظ. فثمة أفكار ومواقف إنسانية عالمية تسرى فى صفحات الرواية وثناياها، بحيث نرى فيها إلى جانب قضايا مصر الخاصة، موضوعات أخرى تهم الإنسان فى كل زمان ومكان.
وثمة عمل بديع من أعمال محفوظ، يختلف عن أعماله جميعا، إذ يقول عنه: إنه وجد بداخله مجموعة كبيرة من الشخصيات «الحقيقية»، وأراد أن يقدمهم كما هم، فلم يجد فى ما يكتبه عن كل منهم ما يكمل صفحة واحدة! فقرر أن يعيد تشكيلهم مرة أخرى، ويقدمهم معا فى عمل واحد تحت عنوان: «المرايا».
فجميع شخصيات «المرايا» الخمس والخمسين، شخصيات حقيقية، أو على الأصح لها جذور حقيقية فى واقع حياتنا، وقد عرفهم محفوظ جميعا، لكن كيف قدمهم؟ لقد أحدث بعض التغيرات فى ظروفهم الشخصية، كما غالبا ما يكون قد غير فى بعض ملامحهم الخارجية، لكن رغم هذه التغيرات الشكلية احتفظ بجوهر كل شخصية كما هو، وقد صورهم جميعا فى لقطة فنية خالدة، تعبر عن حقيقتهم الشخصية من جهة، وتبرز ملامح مجتمعنا وصراعاته من جهة أخرى.
وثمة شخصيات مرموقة، ومعروفة للحياة الثقافية، وقد تعرف عليهم من يعرفهم، كشخصية «إبراهيم عقل»، فهو منصور باشا فهمى أستاذ الفلسفة بكلية الآداب، والذى تتلمذ على يديه نجيب محفوظ. وشخصية «ماهر عبد الكريم»، والتى تماثل شخصية الإمام الأكبر الشيخ مصطفى عبد الرازق، أستاذ محفوظ فى الجامعة، ووزير الأوقاف الذى عمل معه نجيب محفوظ على مدى سنوات. وشخصية «عبد الوهاب إسماعيل» المعادلة فنيا لشخصية الكاتب الشهيد سيد قطب. وشخصيات أخرى كثيرة موجودة بروحها فى هذه الرواية البديعة.
ولعل أهم ما فى «المرايا»، من وجهة نظرى، فكرة التناقضات الصارخة فى الحياة، وفى الشخصيات المختلفة، وفى العلاقات الإنسانية. فقد رصد محفوظ بدقة وبراعة هذه القدرة الإنسانية المدهشة على الجمع بين المتناقضات فى داخل الإنسان الفرد! كما عبر أيضا الأستاذ بأسلوبه الجميل عن مفارقات كثيرة وعجيبة فى واقع حياتنا اليومية، والتى قد تمر علينا دون أن نتأمل فى دلالات عمق مفارقات الواقع وعجائبه!
إذ يصف إحدى الشخصيات بقوله: «حزمة من المتناقضات جعلت منه فى النهاية شخصا مجهول الهوية»، ففى هذا العمل جسَّد لنا نجيب محفوظ الكثير من حكاياته الشخصية، وخبراته الإنسانية، ورؤيته الفلسفية.