مقالات > أحمد ناجى قمحة يكتب| مكين والدولة والمواطنة

كتب إدارة التحرير
20 نوفمبر 2016 9:53 ص
-

أحمد ناجى قمحة يكتب| مكين والدولة والمواطنة

أحمد ناجي قمحة

نقلا عن جورنال مصر
مجدى مكين مواطن مصرى، تصارعت حوله مواقع التواصل الاجتماعى والمواقع الإلكترونية على مدار الأيام القليلة الماضية حتى صار الحديث عنه يتصدر النقاشات، ولم لا وهو مادة دسمة وغنيمة ذهبية لطالما يشتاق إليها صناع الإثارة والفتنة؟، ولكن ما يستوقفنا عند متابعة وتحليل المواقع السابقة التداخل الرهيب فى مصطلحات تبنى عليها المواقف، كان ظنى أن المجتمع قد حدث به نمو فى الوعى على مدار السنوات السابقة، غير أنه عبر اختبارات مختلفة خلال الفترة القليلة الماضية أشهرها بالطبع قضية «مكين» ثبت أن الأمر محل شك كبير، وأن الزلزال الذى وقع فى يناير 2011 ما زالت تداعياته مستمرة حتى اليوم.
مما لا شك فيه أنه من حقنا أن يكون لنا موقف فيما يجرى حولنا داخليًا وخارجيًا، ولكن عندما يكون ذلك مبنيًا على معلومات حقيقية، فهذا أفضل بكثير من أن نكون إحدى منصات إطلاق الشائعات والحرب المعلوماتية الدائرة. ما يلفت النظر فى قضية «مكين»، أن أطرافًا بعينها تسعى إلى إعادة عجلة وتكرار أخطاء الماضى، بعد أن أصبحت وجوههم السوداء الكارهة للوطن والمشيعة عنه كل سوء مكشوفة ومفضوحة، ولم تعد الأرضية مواتية لهم، لكن بعض الأطراف استغلت القضية لإشعال الدولة، دون وعى بما يمثله سلوكهم من تهديدات حقيقية على الدولة وتماسكها.
فمن اللحظة الأولى، تصدر المشهد صور ولا أبشع لتعذيب على جسد مجدى مكين رحمة الله عليه، غير أنه بمرور الوقت بدأت بعض الحقائق تتكشف منها أن بعض هذه الصور مقتطعة من صور التعذيب الذى تعرض له سفير نظام القذافى فى فرنسا حال القبض عليه بعد عودته لليبيا، كذلك ومن متابعة للمواقع التى أفردت مساحات واسعة للتغطية يمكنك أن تلاحظ تضاربًا شديدًا فى رواية مينا نجل مجدى مكين ورواية أحد أفراد الأسرة، كذلك يمكنك أن تلاحظ استغلال القنوات التابعة للتنظيم الإرهابى للحادث وقيامها بنشره متضمنًا أبشع الصور والفيديوهات فى أكبر عملية حشد لها وتدليل على أن أمرًا لم يختلف فى أداء الداخلية منذ خالد سعيد وحتى الآن.
 قد لا يهمنا كل ذلك لو لم يتأثر الرأى العام به، فالثابت أن الحسابات الشخصية لأطراف كثيرة على مواقع التواصل الاجتماعى من مختلف الاتجاهات قد امتلأت بكل الاتهامات للدولة وللداخلية التى تعانى مثلها مثل مؤسسات الدولة من وجود الصالح والفاسد، وأنها ذهبت لترديد كل ما حرص المتخفون من أبناء التنظيم الإرهابى والعملاء على ترديده نكاية فى الدولة والداخلية، وليس أدل على ذلك من التأكيد على أن الضابط كريم هو نجل لواء عضو مجلس نواب وهو أمر نفاه النائب بعد ذلك، لم ينتظر أحد تحقيقات النيابة، لم ينتظر أحد تقرير الطب الشرعى، لم ينتظر أحد بيان الداخلية. وهذا مؤشر خطير على عدم احترام مؤسسات الدولة وعلى التدخل فى عملها والتأثر بما يشاع عنها، صدق الجميع الروايات الأولى وكأنها هى الحق وأن الدولة ستكون مضطرة للكذب لمداراة الأمر.
من جهة أخرى، للأسف جاء التناول على بعض الحسابات الشخصية لأخوة مسيحيين فى الوطن، مستجيبة لمحرك الفتنة من عناصر التنظيم الإرهابى المنتشرين بيننا عبر حسابات وهمية، وقبلوا بتصور أن الحادث طائفى وأنه موجه لمجدى بالتحديد لكونه مسيحيًا، متناسين أن كل الروايات المتناقضة التى أشرت إليها توضح أن الحادث وقع دون أى معرفة مسبقة بين الطرفين، للأسف أن ما ورد فى هذه الصفحات يشير إلى انعدام الثقة فى المواطنة المصرية، ويعكس تهديدًا حقيقيًا على الدولة المصرية أن تلتفت إليه إزاء قضية غاية فى الحساسية فى الفترة القادمة. على الدولة المصرية أن تعالج هذه الأزمة فى الثقة لدى قطاع من الأخوة المسيحيين بداخلهم تشككات كبيرة ويحتاجون تطمينات أكثر وتطبيقات عملية لتفعيل مفهوم المواطنة المصرية الحقيقية، وإلا سيظلون قنبلة ساكنة موقوتة يمكن أن تنفجر فى وجوهنا جميعًا فى أى توقيت. كذلك علينا أن نعى أن تأجيج المجتمع المصرى عبر إشعال أزمات للفتنة الطائفية داخله ستكون هذفًا ثمينًا لأطراف مختلفة الفترة القادمة، لإفساد علاقة جيدة متوازنة مع الإدارة الأمريكية الجديدة التى تضم بين عناصرها صقورًا متشددين فيما يتعلق بهذا الملف، وهو أمر قد يؤدى إلى إفساد علاقة شابها الكثير من التوتر على مدار الأعوام الماضية.
ما سبق ليس دفاعًا عن وزارة الداخلية، ولكنه دفاع عن مؤسسات الدولة التى لم يصدر عنها بيان رسمى حتى كتابة المقال من الوزارة أو النيابة أو الطب الشرعى، والمتوقع حال صدوره ألا يلقى القبول لو خالف الصورة التى تم تنميط الوعى المجتمعى على قبولها للحادث، ولكن حال صدور بيانات مؤسسات الدولة متضمنة تأكيدات لاتهامات امتلأت بها مواقع التواصل الاجتماعى، فإن على الدولة توقيع أقصى العقاب على الجانى، لأن ذلك أبسط حقوق المواطن المصرى مهما كان ملفه أو تاريخه السياسى أو الاجتماعى أو الجنائى أو ديانته. علينا أن نثق أكثر فى دولتنا ومؤسساتها، علينا أن ندعم ونقوى حقوق المواطنة، ولكن ليس من حق من حرقوا الكنائس وكانوا يريدون حرق أخوتنا المسيحيين أن يتاجروا علينا بوطنية زائفة ويدعون بما لا يؤمنون، وعلينا جميعًا أن نتخلى عن الطائفية فى التعاطى مع أى قضية يعانى منها المواطن المصرى أيا كانت ديانته، فالشهداء فى سيناء لا يراق دمهم باعتبارهم مسلمين أو مسيحيين بل باعتبارهم مصريين يصدون عن باقى مواطنيهم ووطنهم شرور الإرهاب.

اصدقاؤك يفضلون