مقالات > احمد ناجي قمحة يكتب -البرادعاوية والنوبة.. العشق الحرام

كتب إدارة التحرير
28 سبتمبر 2016 3:41 م
-

احمد ناجي قمحة يكتب -البرادعاوية والنوبة.. العشق الحرام

أحمد ناجي قمحة

نقلا عن دوت مصر

 

في حروب الجيل الرابع ليس المطلوب إسقاط الدولة االمستهدفة واختفاؤها، بل المطلوب أن تظل موجودة بكامل مواردها وقدراتها، لكن يجرى اختطافها، ويتم ذلك من خلال وسائل "حميدة" إلى حد ما، تتمثل في جذب مواطنين من أبناء هذه الدولة نحو أعمال تؤدي إلى "زعزعة الاستقرار" والوصول بها إلى مرحلة "الدولة الفاشلة". وتكون أول ملامح الدولة الفاشلة هو إيجاد أماكن داخل حدود الدولة المستهدفة، لا سيادة لها عليها، عن طريق دعم مجموعات محاربة وعنيفة أو إنفصالية للسيطرة على هذه الأماكن. وبخروج جزء من الدولة عن السيطرة، يصبح خارج سيادتها، ما يقودنا إلى ما يطلق عليه إقليم غير محكوم، أو بالأحرى إقليم محكوم من قبل قوى أخرى خارج الدولة، وينتهى الأمر إلى تحويل الدولة إلى دولة فاشلة يستطيع أعداؤها التدخل والتحكم فيها.

بداية، تعد الحقوق النوبية قضية شائكة، ويشهد التاريخ أن المصريين في النوبة تحملوا الكثير ويظل حلمًا لهم أن يحصلوا على حقوقهم وفقًا للتشريعات والقوانين المصرية، وكانت اللهجة النوبية أحد الشفرات السرية التي تم إستخدامها في حرب أكتوبر 1973، وقدمت النوبة المصرية العديد من قيادات الدولة المصرية ومنهم المشير محمد حسين طنطاوي، كما ساهم الفن النوبي في إثراء التراث الفني والثقافي طوال التاريخ المصري وعلى مدار سبعة آلاف سنة.

نبدأ الحكاية في الثاني من يناير 2011، حين دعا الدكتور محمد البرادعى المدير السابق للوكالة الدولية للطاقة الذرية والأب الروحي لنشطاء ثورة يناير بعد ذلك النشطاء النوبيين لإرسال خطاب إلى منظمة الفاو موقع من جموع النوبيين لتمكينهم من مساكنهم فى أرض النوبة مع عرض كامل لتفاصيل القضية النوبية ومدى تضررهم من الوضع الحالى. ودارت النقاشات خلال اللقاء الذى جمع "البرادعى" مع نشطاء من النوبة فى منزله ظهر اليوم بمزرعة جرانة، أبرزهم هاني يوسف، وزكريا برسي وسمير العربي –تذكروا هذه الأسماء جيدًا-، حيث طرح عليهم إمكانية تدويل القضية وقال لهم : "أن اللجوء للمنظمات الدولية لا ضرر منه، لأن ذلك حق مشروع لكم". وفي المقابل اتفق النوبيون مع "البرادعى" على بدء حملة توقيعات على بيان التغيير "معا سنغير" بأسوان، والتى أكد على أثرها أكدوا أنهم سيبدأون فى حملة لجمع التوقيعات من النوبيين على مستوى العالم وليس بأسوان فقط. من جانبه، أكد البرادعى على حق النوبيين فى العودة إلى موطنهم الأصلى معتبرا ذلك حق أصيل لهم، حيث قال "على الحكومة المصرية الاستجابة لمطالبهم كجزء أصيل من الشعب المصرى".

من هنا، لنا أن نتوقف أمام توقيت لقاء البرادعي بممثلي النوبة، فقط قبل إندلاع ثورة يناير 2011 بثلاثة وعشرين يومًا، وهي الفترة الزمنية التي شهدت تكثيف لقاءاته بكافة الفصائل السياسية، وشهدت تصريحات عنيفة كانت تؤجج الأوضاع، ومنها تصريحه بأن حادث كنيسة القديسين الشهير قد تم بفعل الإحتقان الطائفي الناتج عن غياب العدالة الاجتماعية. منذ هذا التاريخ، إرتبط تاريخ البرادعي ومجموعته بالنوبة، وهو الأمر الذي يطرح تساؤلات، هل لا يمكن لقضية الحقوق النوبية أن تحل بعيدًا عن التدويل أو طلب التدخل الأجنبي؟، الحقيقة أن البرادعي لم يتخلى منذ تلك اللحظة عن هذا المسلك، ويحرص بين الحين والآخر أن يتحفنا بتغريدة تعيد تذكيرنا بتوجهاته تلك. ولم يخلو أي لقاء تليفزيوني أو صحفي، إلا ويعرض فيه البرادعي لآراءه تلك، ولكن ماذا عن تاريخ اللقاء؟، هل كانت صدفة؟، ما الذي كان يتوقعه البرادعي بعد 25 يناير؟، هل كان يهدف البرادعي وحوارييه الذين خلفهم بعده على فصل النوبة وخلق منطقة توتر تزعزع الإستقرار، وتؤدي إلى عدم قدرة الدولة على فرض سيادتها عليها نتيجة ما ستمر به من أحداث؟، وبالتالي فتح الباب على مصراعيه أمام التدخل الأجنبي لفصل النوبة عن مصر تحت الدعاوي الزائفة لحقوق الأقليات وملكيتها ومصادرتها. تصريحات البرادعي كلها في هذا الشأن تذهب إلى هذه النتيجة، لم يتخلى عنها كما لو كانت جزءَا من قلبه، الذي ينبض بها ولا يتحمل المساس بها كما لم يتحمل المساس بإعتصام أنصار التنظيم الإرهابي في رابعة والنهضة، التنظيم الذي كان ينوي إقتطاع سيناء من مصر لإستكمال المخطط.

غادرنا البرادعي مهمومًا وحزينًا، فهو لم يعد القائد والزعيم والأب الروحي وإكتشف المصريون رويدًا رويدًا حقيقة نواياه، ولكنه وهو يغادرنا كان قد أسس مجموعة من الحواريين المنتمين لفكره والقادرين على إستكمال الشيطان الذي زرعه وأنبته، لن نتوقف طويلًا أمام كل حوارييه ولكننا سنتوقف عند اللاعبين المحوريين في هذا الملف، والمستمرة جهودهم حتى اليوم لتحقيق عشقه الحرام لجزء من أطهر الأراضي المصرية، نويتنا المصرية الغالية.

نبدأ بالدكتورة هالة شكر الله، السيدة التي خلفت البرادعي في رئاسة حزب الدستور. ففي أبريل 2011، وفيما ينفذ الباحثون الميدانيون لمركز الأهرام للدراسات السياسية والإستراتيجية بحثًا ميدانيًا حول "الأمن الاجتماعي"، يدق هاتفي الجوال لأجد أحد المشرفين على فرق العمل منزعجًا ويطالبني بالحضور فورًا للإسكندرية لأمر جلل، في الإسكندرية كانت الكارثة، إستمارة ميدانية لمؤسسة المرأة الجديدة يتم تنفيذها بمعرفة أشخاص مجهولين تطبق في المناطق التي يسكنها أهل النوبة، والإستمارة مصممة لجذب التعاطف حول مشروعية الحقوق، واللعب على العواطف والذكريات وصولًا إلى التعريف بآليات حل المشكلة والتي من ضمنها فصل النوبة، تكرر الأمر في المحافظات التي بها تجمعات نوبية. أمر إستغربته تمامًا، ولكنه ظل عالقًا بذهني أسعى للتحقق منه، إلى أن فوجئت بزيارة تقوم بها الدكتورة لمحافظة أسوان بعد أن أصبحت رئيسة الحزب في الفترة من 27 – 29 مارس 2014، تحت دعوى تنشيط السياحة والوقوف بجوار أهالي أسوان والتعرف على مشاكلهم، لتتحول الزيارة إلى اللقاء مع قيادات سبق ذكرها إضافة لمجموعة النشطاء من تنظيمات القوى الإحتجاجية غير الشرعية كحركة 6 أبريل والإخوان والإشتراكيين الثوريين إضافة لشباب حزب الدستور والتنظيمات الطلابية الموالية لهم، لتندلع بعدها أحداث الفتنة الطائفية بين الدابودية والهلالية في 5 أبريل 2014، لتعلن بعدها كاترين آشتون الممثل الأعلى للإتحاد الأوروبي لشئون السياسة والأمن أنها بصدد زيارة عاجلة لمصر للتباحث في شأن القضية النوبية وحقوق أهل النوبة، لتخرج بعدها تصريحات من قبل شكر الله تفيد بأن الدولة تخرق مواد الدستور الخاصة بالنوبة، و ان النوبيين اقليات يتعرضون للابادة العرقية، و انه لابد من تدويل القضية.

بالتوازي مع جهود شكر الله، يظهر لنا عنصر آخر، موقعه على قدر كبير من الحساسية في القضاء، خدم أيام نظام مبارك في نيابة أمن الدولة العليا لمدة 15 عامًا، وترك منصبه قبل الترقي لدرجة مستشار بقرار من المستشار عبد المجيد محمود النائب العام آنذاك. ومع إندلاع ثورة يناير 2011، قدم نفسه عبر تغريداته بصفته المدافع الشرس عن البرادعي وقدمه بإعتباره أيقونة الثورة والمخلص وصاحب الرؤية التي لا تخيب، حتى أنه قال على صفحته على مواقع التواصل الإجتماعي "فيسبوك" : "أنه بعد إنسحاب البرادعي –إنتخابات الرئاسة 2012- معظم برامج المرشحين للرئاسة عبارة عن شعارات وخطب وتصريحات من نوعية القضاء على الفقر والعشوائيات وحل أزمة التعليم والاهتمام بالصحة، وهي نفس تصريحات رؤساء الوزارة من نصف قرن في الجرائد الحكومية.. إيه قيم انك تنتخب رئيس يعرف الداء مثلك ولا يقدم لك الدواء" في إشارة منه لعدم صلاحية أيًا من المرشحين آنذاك وأن البرادعي هو الذي كان يملك كل الحقوق. كما إمتلأت صفحته بالعداء الغريب للمؤسسة العسكرية والسخرية من دور القوات المسلحة، ومنها قوله : "كل شوية يطلعلنا واحد بكرش مترين قدامه وقولك المجلس حمى الثورة.. طب يعني إيه حمى الثورة؟ يسكت مايردش"، ليدخل بعدهل في فاصل من عبارات السخرية من المجلس الأعلى ودوره. ورغم أنه كان القاضي في قضية التمويل الأجنبي، إلا أن ذلك لم يمنعه من التعليق على المعالجات الإعلامية للقضية، حيث قال : "تعليقي على الطريقة التي يتعامل بها الإعلام الحكومي (لم يقل القومي) مع قضية التمويل الأجنبي دون باقي القضايا توضح أن ورائها تعليمات عليا، وطريقة الإعلام الخاص تؤكد أن ما يحركه دوافع شخصية، وفي الحالتين الخاسر هو القضاء والمواطن.. الأول ينال النشر من حياده والثاني يفقد إتزانه"، النصيحة الأخيرة كان ينبغي أن يتوجه بها إلى نفسه، فالقاضي عندما يكون مسيسًا إلى هذا الحد وينشر آراءه على هذا النحو خاصة حالة العداء الشديدة مع القوات المسلحة وثورة يوليو 1952 والتي يرى أن مصر تتراجع بفضلها منذ 60 عامًا وأن الملك فاروق لم يكن على هذا السؤ، فكان من الأولى به أن يتريث.

ولكن ما هي القصايا التي لم يتعامل معها الإعلام؟، ربما كان سيادة المستشار يرغب أن يتناول الإعلام قضية النوبة كما يتناولها هو وفقًا لمنظور البرادعي. إنه المستشار/ أشرف العشماوي، الذي تم تقديمه مؤخرًا في كبريات الصحف المصرية بإعتباره الروائي والأديب ربما لإقترانه بعلاقة صداقة حميمية مع الأديب العالمي علاء الأسواني. وبإعتباره روائيًا وكاتبًا فهو في الطريق لإصدار رواية "تذكرة وحيدة للقاهرة"، والتي قال في حفل توقيع إصدارها في الجامعة الأمريكية مطلع هذا الشهر ما يلي : "إن الملف النوبى يمثل أكثر القضايا التى دفعته لكتابة رواية "تذكرة وحيدة للقاهرة"، وبدأت تدوين المشكلات والأحداث خلال عملى فى السلك القضائى هناك، وبدأت أنخرط فى التفاعل مع أهالى النوبة والاطلاع على مشاكلهم التى بدأت بخزان أسوان، وتهجيرهم من موطنهم".

وأضاف : "أن منازل النوبيين سيئة لا تصلح لإقامة الآدميين فيها، والتهميش واضح من جانب الحكومة، مضيفا أن معاناتهم زادت عندما هاجر بعضهم إلى القاهرة للبحث عن مصدر رزق فوجدوا مجتمعا طبقيا". وأكد : "أن الحكومة الحالية لم تبادر باتخاذ أى قرارات أو محاولات جدية لإعادة النوبيين إلى موطنهم الأصلى كما ينص الدستور". وطالب أشرف العشماوى مجلس النواب باتخاذ قرار فى هذا الصدد بمقتضاه يعود النوبيون إلى موطنهم الأصلى، وذلك بعد مرور أكثر من 115 عاما على تهجيرهم، وعلى الوعود الكاذبة التى يطلقها المسئولون لتهدئة النوبيين والذين لا يزالون يصدقونها أملا منهم فى العودة.

نحن أمام حالة غريبة لقاض مفترض أنه يمارس مهام مهنته، ويلتزم بأن لا يكون مسيسًا على هذا النحو، خاصة أنه كان حريصًا وقت أن كان أحد مستشاري الوزير / إبراهيم الهنيدي وزير العدالة الإنتقالية على إعداد مشروع قانون يتبنى وجهة النظر التي توافق عليها البرادعي مع مجموعة المستفيدين من المتاجرة بقضية النوبة، لولا أن تنبه لذلك معالي الوزير وإستشعر بخطورة ما تتضمنه مواد القانون المراد تمريره على وضع النوبة على أرض الواقع. إلى سيادته أطرح التساؤلات التالية :

1-     كيف له أن يفشي أسرار التحقيقات التي كان يتولاها وكيف له أن يفصح عن ميله وهواه فيها للعامة، أين مبدأ سرية التحقيقات وعلانية المحاكمات فيما يتعلق بقضية "التمويل الأجنبي"؟

2-     كيف له أن يستغل ملفًا اطلع على أوراقه وأموره بحكم وظيفته ليصيغ أفكاره حول "النوبة" ويصدرها في رواية وهو مازال في العمل؟

3-     هل هو من ترك منصبه في وزارة العدالة الانتقالية كما يردد، أم أن الوزير أطاح به من منصبه بأن أجبره على تقديم إعتذار عن الإستمرار في الندب إلى الوزارة بعد معلومات وصلت للوزير عنه؟

4-     كيف له وهو قاضي أن يعتاد الظهور في وسائل الإعلام المختلفة متحدثا بصورة خلط فيها العمل السياسي بالعمل القضائي بما ينال من سمو رسالة القضاء، وهل حصل على تصريح من مجلس القضاء الأعلى، ولماذا السكوت على ذلك؟

5-     ماذا يريد السياسة أم الأدب أم القضاء؟

6-     ماذا عما يتردد عن علاقته بالأسواني والعوا هل هي إشاعة ام في جزء منها قرابه والآخر صداقة وتوافق؟

ثالث هذه العناصر، كان عضوًا قياديًا بالحزب الوطني الديمقراطي قبل ثورة يناير 2011، يعمل مدرسًا في قرية دابود، لم يعرف عنه إهتمامه بقصية النوبة أو حتى المشاكل بين العائلات النوبية كالدابودية والهلالية، فقط يبحث عن مصلحته والوصول لمقعد في مجلس النواب – الشعب سابقًا – لذلك إنتقل بعد الثورة مباشرة ليكون عضوًا في حزب الوسط، ومع ثورة يونيو 2013 وإقتراب موعد إنتخابات مجلس النواب حول وجهته نحو حزب المصريين الأحرار، وخاض الإنتخابات كمستقل أمام منافسه صابر سند وفي الجولة الأولى كان صابر سند متفوقًا عليه إلا أنه إستخدم الدعم غير المحدود الذي وفره له المصريين الأحرار ليفوز في النهاية بالمقعد عن دائرة مركز نصر النوبة بأسوان، إنه النائب ياسين عبد الصبور. والذي على الرغم من عدم وجود توجهات أو علاقات سابقة له باللجان المختصة بمعالجة الملف النوبي، إلا أنه شارك مع نواب آخرين في عضوية أول لجنة من مجلس النواب لرصد مشاكل النوبة الحقيقية، وقاموا بزيارة أسوان شهر مارس الماضي، واعدت اللجنة توصيات رفعتها لمجلس الوزراء لتنفيذها، كذلك مؤكد أنه يعلم حجم المجهودات التي تقوم بها الدولة لتنمية محافظات جنوب الوادي بالكامل ومنها أسوان،

كما أن زيارات المهندس إبراهيم محلب مساعد رئيس الجمهورية للمشروعات القومية ووزير الثقافة لأسوان كانت لنفس الغرض، وذلك إستجابة لتوجيهات الرئيس السيسي التي تركز على أهمية اِمتداد جهود التنمية والعُمران إلى منطقة النوبة جنوب مصر، وحرصه الدائم على عرض تصور للمشروعات التنموية المقترح تنفيذها في هذه المنطقة، مؤكداً على ضرورة إيلاء الاهتمام اللازم لتلك المنطقة العزيزة من صعيد مصر.

ولكن، كل ذلك لم يمنع من يحاولون المساس باستقلال البلاد وسلامة أراضيها من تحريض بعض أبناء النوبة على تقديم شكاوى ضد مصر في المحافل والمنظمات الدولية للإضرار بمركز مصر الدبلوماسي أمام العالم وفقًا للمخطط الذي بدأوه في يناير 2011. حيث فوجئ الشعب المصري خلال عيد الأضحى المبارك، بقيام النائب ياسين عبد الصبور والذي من المفترض أنه يدافع عن حقوق الشعب المصري كله بتنظيم مؤتمر أعلن في نهايته مجموعة من المطالب المتعلقة بتنمية مناطق النوبة وهو من واجباته بلا شك باعتباره يتحدث عن مطالب أبناء دائرته، إلا أن القراءة الدقيقة لتوصيات مؤتمر (العودة حق) المنعقد بقرية دابودا في 14 سبتمبر 2014، تربط بينها مباشرة وبين ما كان البرادعي وفريقه حريصين على تزكيته في عقول النوبيين طوال الفترة الماضية. وكانت التوصية الثامنة هي التي تحمل ترجمة جهود كل هذا الفريق على مدار السنوات الماضية، حيث نصت على : "في حالة تقاعس الحكومة عن تنفيذ حقوق أهل النوبة في العودة خلال ثلاثة أشهر فيحق للنشطاء النوبيين اتخاذ الإجراءات اللازمة".

وهي بلا شك توصية تحمل التهديد للدولة المصرية بالإستقواء بالخارج، كما أنها تحرض على ارتكاب فعل يمس استقلال البلاد وسلامة أراضيها، حيث لم تحدد هذه التوصية ما هي الإجراءات التي يحق للنشطاء اتخاذها، إلا إن هذه الإجراءات معلومة للجميع، وبدأت بالفعل عبر جمع توكيلات من مواطني  النوبة لمحامي دانماركي دولي "كريستيان هارلنج" من أجل تقديم شكاوى ضد مصر في المنظمات الإقليمية والدولية. وهو ما يمثل إضرارًا بمركز مصر الدبلوماسي أمام العالم. ويتزعم جمع هذه التوقيعات الناشط هاني يوسف حسن بهلول المشهور دوليًا بهاني بهلول، وكان من أوائل الموقعين على التوكيل ومعه سهام بهلول محمد عثمان وأحمد أبو السعود حمتة وزكريا برسي محمد، رجاء تذكروا أن هني يوسف وزكريا برسي كانا من ضمن الوفد النوبي الذي التقى البرادعي في يناير 2011، كذلك فإن هاني يوسف هو المنظم والراعي الرئيسي لمؤتمر النائب ياسين عبد الصبور حول (العودة حق).

هؤلاء النشطاء ربما ينسون أو يتناسون أن أقرانهم من النشطاء العراقيين والسوريين والليبيين واليمنيين أوقعوا بلادهم وحولوها إلى دول فاشلة أو في الطريق لذلك، تحت مسميات مختلفة مثل حقوق الأقليات والمواطنة والحريات الدينية وغيرها، وهذه المسميات لن تؤدي إلا لاشتعال دولهم بدلًا من الحصول على حقوقهم، وبعضهم كانت نواياه صادقة بالفعل إلا أن النتيجة كانت كارثية أمام الجميع من حروب ومجاعات وتهجير وجوع وتشريد.

ويطرح كل ما سبق التساؤلات حول ما إذا كان النائب قد تعرض لضغوط من النشطاء النوبيين؟، وما هي طبيعتها؟، وكيف أمكن لهذه المجموعة أن تمثل قوة ضغط على النائب؟، وما هي علاقة هؤلاء بإفشال أعمال لجنة تنمية النوبة بوزارة العدالة الانتقالية العام الماضي؟، والتي كانت ستصدر مشروع قانون إنشاء الهيئة العليا لتنمية النوبة الذي يطالب به النوبيون الآن ضمن توصيات المؤتمر. لابد لأبناء النوبة ألا ينخدعوا بشعارات من لم يقدموا شيئًا للوطن أو للنوبيين سوى الكلام.

علينا أن نربط بين كل هذه الأحداث والتطورات، لكي نتأكد تمامًا أن مصر تخوض حرب وجود مع الخارج، ومع العشق الحرام الذي يدعيه البعض للنوبة في الداخل، لتحقيق إنتصار لأفكار البوب كما يحلو لهم أن يسمونه، وهو الذي ترك البلاد وهرب خوفًا من تحمل المسئولية. أليس غريبًا أن يعقد المستشار أشرف العشماوي حفل توقيع روايته مطلع هذا الشهر، ليأتي النائب ياسين عبد الصبور ويعقد مؤتمره في الرابع عشر منه؟، هل هي صدفة، أم أننا الذين نحمل سؤ النية؟

وأخيرًا، هناك فارق كبير بين من يطالب بحقوقه، وبين من يهدد بالحصول عليها عبر اللجوء للمنظمات الدولية، بما يعد مساسًا بمقدرات الدولة المصرية وبسيادتها وبقيادتها. إنها مصر، الدولة القوية بشعبها، الذي لفظ تنظيم الإخوان المسلمين الإرهابي، ويحاربه بكل السبل منذ أكثر من ثلاثة سنوات ولم يضعف أو يلين أمام الضغوط الهائلة التي يتعرض لها من دول كبرى وكيانات أجنبية لقبولهم مرة أخرى كطرف في المعادلة السياسية.


اصدقاؤك يفضلون