حمدي رزق يكتب : الضفر مايطلعشى من اللحم
فعلاً الضفر «بالضاد» مايطلعشى من اللحم «بالعامية»، لعل أشد المصريين انزعاجاً من جريمة الاعتداء القذرة على المرشح الرئاسى المحتمل الدكتور عبدالمنعم أبوالفتوح كان جماعة الإخوان وقيادييها الذين تباروا فى تسييس الحادث وتجريم مرتكبيه على نحو يجعله حلقة قذرة من حلقات مسلسل تصفية الخصوم السياسيين، التى راح ضحيتها فى أحد تجلياتها،
العمليات السوداء قبل ثورة ١٩٥٢، المرشد الإمام حسن البنا «رحمه الله»، وتكفل النظام الخاص فى الجماعة «قبلها وبعدها» بسلسلة من التصفيات يشيب من هولها الولدان، وينكرها الإخوان.
فعلاً الضفر مايطلعشى من اللحم، هكذا تبدو الصورة من على السطح، وإن عصى «أبوالفتوح» أو خرج على السمع والطاعة، وإن شق عصا الطاعة، وترشح رغم تعليمات المرشد وتشديدات مكتب الإرشاد، فإن «أبوالفتوح» لايزال بمثابة أخ كريم وابن أخ كريم،
هو الإخوانى لا كذب، هو ابن عمر التلمسانى الأثير، وهو باعث نهضة الإخوان فى السبعينيات، قلب الجماعة تجاه «أبوالفتوح» أبيض مثل قلب الخساية، طيب مثل قلب الأم، لسان يدعو وقلب يستغفر.
فعلا الضفر مايطلعشى من اللحم، وهلع الإخوان على «أبوالفتوح» مثل الجسد الواحد، الجماعة مثل الجسد الواحد إذا اشتكى عضو تداعى سائر الجسد بالسهر والحمى، والجماعة تسهر على متابعة حالة «أبوالفتوح»، وكلفت جناحها البرلمانى بجلد وزير الداخلية، وتكفل جناحها الإعلامى بتسييس الجريمة، وبث الشكوك فى عروق الفضائيات المصرية المنتفخة الأوداج بالبيانات الإخوانية والمصادر الإخوانية والرسائل الإخوانية التى يرسلها المرشد كل خميس إلى الأصقاع والبقاع والأمصار الإخوانية.
وتسييساً وإلحاقاً بحادث «أبوالفتوح» دخلت سيارة النائب حسن البرنس على الخط «دخلت فى مقطورة» وصارت الجريمة جريمتين، وما لم يتأكد فى حادث «أبوالفتوح» من أغراض سياسية قذرة يؤكده حادث البرنس، جرى إطلاق رصاص لاغتيال النائب، وصار الخبر خبرين، والجريمة جريمتين، وصار الاغتيال السياسى وتصفية الخصوم على كل لسان، وجرى استحضار مجرمين محتملين لشيل الجريمة وإعطائها المذاق السياسى المطلوب فى تلك الفترة الحرجة من تداعيات الثورة المصرية على الساحة المصرية، انفلات أمنى يعقبه اغتيال سياسى، شىء لزوم الشىء.
إن شاء الله خير، وبعيداً عن ملابسات الحادثين، والحديث المفرط بأن حوادث سطو تحدث كل ثانية فى مصر وللمصريين على الطرق السريعة والدائرية، لكن ليس كل مصرى مرشحاً رئاسياً مثل «أبوالفتوح»، أو نائباً إخوانياً مثل البرنس حسن، صحيح أن «أبوالفتوح» و«البرنس» كلاهما مسيس، لكن الرغبة فى تسييس الحادثين مبكراً على هذا النحو تجرنا جراً إلى إشاعة جو من التصفيات السياسية، اليوم كلاماً، أخشى الغد رصاصاً. التصفيات السياسية تحتاج إلى بيئة أمنية وإعلامية مناسبة، والبيئتان مناسبتان على نحو غير مسبوق، فيطمع الذى فى قلبه مرض.
استباق التحقيقات على هذا النحو، وتشكيل الحادثين سياسياً على هذا النحو، لا يستبعد معهما أن الحادث القادم سيكون تصفية سياسية على نحو ما، وإذا كان حادث «البرنس» حسن عادياً وتم تسييسه وتعميده بحديث الرصاص، وحادث «أبوالفتوح» قاب قوسين أو أدنى، فما مصلحة الجماعة وإعلامييها ونوابها وقيادييها فى إشاعة هذا الجو الإرهابى فى الساحة المصرية، مصر دانت لهم وصارت قريبة القطاف، ماذا تبقى أمامهم لاستغلال حادثين عاديين لإثارة كل هذا الفزع والرعب فى أوصال السياسيين والمحتملين والمرتقبين.
لماذا يرهن الإخوان أنفسهم والقيادات المثيلة فى الأحزاب والتيارات الأخرى بفوبيا الاغتيالات السياسية التى إن شاعت استلزمت حراسات وسيارات ومصفحات وبودى جاردات، لماذا تتحول مصر الآمنة المطمئنة «وإن كثرت فيها حوادث السطو المسلح على العاديين قبل السياسيين» إلى بلد لا يتحرك فيه السياسيون إلا فى أرتال من الحراسات، والتشديدات على المفارق والطرق، لماذا نحول القاهرة إلى بيروت أيام الحرب الأهلية.
لا تنسوا أن حادث حمزاوى وبسمة «قبل الزواج المبارك» كان عادياً تم تسييسه، أولى بالجماعة الإخوانية والجماعة الوطنية وقد اطمأنت على ابنها البار أن تذهب لتسمية الحوادث بمسمياتها،
ولا تبشر بمحاولة اغتيال نوابها، ولا تطلق الرصاص على رأسها، ولا ترسخ فى الأرض الزلقة الاغتيالات السياسية، ولا تدخل فى قاموس السياسة المصرية تصفية الخصوم،
ولا تعيدنا بحادثة تصادم بين سيارة نائب لا يعرفه سوى إخوان دائرته «شكلاً وموضوعاً» إلى محاولة اغتيال، ولا تزايد على حادث «أبوالفتوح» بحادث «البرنس»، ولا تشيع حوادث الاغتيالات التى أدخلتها الجماعة سابقاً فى الحياة السياسية المصرية واكتوت بنارها وفقدت فيها أعظم رجالها «المرشد المؤسس».
لغة الاغتيالات السياسية أخشى أن تتحول من كلمات رطانية فى سياقات سياسية احترابية، ورغبة فى الثأر من الداخلية وإشانتها مهنياً لضعفها وتخاذلها، وإقالة وزيرها النشط اللواء محمد إبراهيم، أخشى أن تتحول إلى واقع لن يحتمله الإخوان ولا خصومهم، وترتع فيه عصابات محلية ودولية ستجد فى الاغتيالات السياسية الأداة التى كانت غائبة عن الساحة المصرية،
المتآمرون جربوا كل المخططات لتركيع مصر وما أفلحوا، أخشى أن نكون فى غمرة العركة الداخلية أعطيناهم سلاحاً ذكياً لإنهاء الثورة المصرية.



