نبيل عبدالفتاح يكتب : الأهرام.. التاريخ والرسالة والدور في واقع مضطرب
مصر الدولة والأمة العريقة تعيش لحظة تاريخية حرجة ومعقدة تختلط فيها المشاكل والأزمات التي تتكالب وتجثم فوق روحها الوطنية المتفردة.
والأخطر فوق بعض رؤوس وأرواح تبدو ضيقة وفقيرة وشاحبة, من فرط الاضطراب وفوضي نثارات الأفكار الصغيرة الفقيرة المعاني والدلالات التي تصلح لإدارة مجتمع قروي, وأشكال للضبط الاجتماعي والسيطرة تعتمد علي السلطة الأبوية أو الدينية أو الأعراف.
ارتباكات وتآكل خطير في مواريث ومعاني الدولة ومؤسساتها وأجهزتها, والأخطر.. الأخطر شروخ في بنية موحدات الأمة, ومجتمع مجزأ ومضطرب ومشوش أكبر من الدولة, ونخب منقسمة جاءت من أعطاف تجريف المواهب والكفاءات والاغتيالات الممنهجة التي استمرت منذ نهاية حرب أكتوبر وإلي الآن لمجمع الكفاءات والمواهب الفذة لمصر المحروسة, في ظل بنية تضاغطات سياسية ودينية علي روح وعقول مصر والمصريين, واستعراضات سياسية محمولة علي الخفة حينا, وعدم الخبرة والنزق, والأخري تواري الرصانة والحكمة في عديد الأحيان, إلا من رحم ربي. وذلك من أجل تحقيق الشهرة والذيوع والمكانة ومخاطبة الجموع المصرية الثائرة والساكنة والمترددة والفوضوية بينما تبدو أصوات الحكمة والخبرة والثورة غائبة حينا, ومتوارية وراء ضوضاء وصخب حالة سياسية تبدو مستعصية علي الإدارة السياسية الرشيدة, في هذا السياق المضطرب هل يمكن للأهرام العتيد أن يلعب دورا كان ولا يزال مؤهلا لأدائه مصريا وعربيا ودوليا؟ لماذا السؤال؟ أطرحه لأن وراء الأهرام تاريخا ممتدا, وخبرات مهنية وقومية رفيعة المكانة وذلك علي الرغم من تآكل بعض مقوماتها وتراكماتها, وقوادمها أقولها بصراحة ووضوح, وربما يعرفها جميع الأصدقاء وزملاء العمل علي اختلاف أجيالهم, لهم جميعا كل التقدير والأعزاز.
ثمة تحديات مهنية وسياسية تواجه الأهرام العريق أولها: تحدي منافسات ضارية من صحف خاصة وقومية وفضائيات تضغط لتهميش المكتوب لصالح المرئي, والرقمي المتعدد الوسائط في مواجهة الجميع, والأهرام في قلب هذا التنافس العنيف رغما عن أنه لا يزال الأكثر توزيعا. ثانيها: تحدي أزمات مالية هيكلية في ظل تفوق عارم للعدالة في التوزيع والأدوار للموارد والحوافز, تم إيجاد بعض حلول لها ملائمة نسبيا. ثالثها: تحد المنافسات بين الأجيال الصحفية, وهو أمر مطلوب وصحي تماما, ولكن في إطار مواتية صحية وتعتصم بالمهنية والكفاءة وقواعد للفرز والانتقاء الموضوعي. رابعها: تحد الصراع علي روح القومية ومعناها وتصور بعضهم أن المؤسسات القومية الصحفية والأمنية والعسكرية والاستخباراتية والإعلامية والدولتية لابد أن تعكس سياسة الأسلاب والغنائم التي عرفها التاريخ السياسي الأمريكي, بحيث تتم السيطرة عليها من قبل كل من يفوز في المعارك الانتخابية, وهو خطر كبير علي معني الدولة وقومية أجهزتها, إزاء الحزبية السياسية أو التمييز السياسي والاجتماعي والديني الإيديولوجي الوضعي, وتحيزاته, خامسها: تحد خطير علي حريات الرأي والتعبير- الحرية الأم والإبداع والفنون تحت شعارات دينية وأخلاقية متزمتة ومحافظة ووضعية بامتياز لم تنتظر كثيرا حتي بدأت تفصح عن أهدافها ونواياها, سادسها: تحد يتصل بضرورة تطوير بنيوي في تركيبة المورد البشري الصحفي والإداري والفني في المؤسسة مثل غيرها من المؤسسات الأخري. سابعها: تحدي التنافس علي المواقع والمكانات اعتمادا علي الغلبة والكثرة العددية. هذا بعض قليل من كثير التحديات الكبري التي تواجه الأهرام التاريخ والأدوار والمكانة والتأثير, وغيره من المؤسسات الكبري الشقيقة.
من هنا أتصور: أ ـ أننا نحتاج إلي تطوير أرصدتنا الإيجابية, كفاءات من أجيال مختلفة, وشهرة بعض كوادر المؤسسة, وحد أدني من التوافق علي ضرورة العمل المتدرج والمدروس, قادرة علي العمل والتنافس الضاري في المراحل الانتقالية علي اختلافها, ريثما تستقر التوازنات بين القوي السياسية والاجتماعية والدينية والدولة والنظام السياسي في البلاد, هذا يتطلب منا.
أ. إعطاء أولوية لتعبئة كل الكفاءات والقدرات أيا كانت وإعطاءها الفرص للمساهمة في تطوير الأداءات المهنية والفنية والإدارية.
ب ـ فتح جميع أوعية دعم الصحيفة من خلال الاستفادة من القدرات المصرية القومية البارزة من داخل وخارج المؤسسة, حتي لا تكون الصحيفة الأكثر عراقة محض متلق لانطباعات بسيطة من بعضهم لا تحمل سوي خفتها!
ج ـ أن تسهم الأهرام في وضع وإدارة أجندة الجدل والحوار العام الجاد والموضوعي والعلمي والرصين من خلال التركيز علي جوهر ألباب المسألة المصرية ـ الرجل المريض في الشرق الأوسط ـ ومد البصر والبصيرة إلي الخبرات المقارنة, وربما العربية والعالمية ولم لا؟ كان ذلك دورنا تاريخيا.
هناك إمكانات كامنة داخل الجماعة الأهرامية وقدرات ورأسمال مهني, وصحفي وثقافي لابد من إحيائه وتجديده, بلا استبعاد أو إقصاء, أو تمييز لجميع أبناء المؤسسة, وليكن رائدنا حرية الرأي والتعبير والإبداع, الأولوية للولاء الحاسم للأمة المصرية, وتجديد روحها وموحداتها والحرية لمصر واستقلالها ودورها ومكانتها ورسالتها في الإقليم والعالم وللأهرام وتاريخه ودوره, نعم لنا رسالة, ومصر أمة ودولة دور ومعانيا وقيم في عالمها, والأهرام في قلب هذه الأدوار, وفي هذا فليتنافس المتنافسون من أبناء الأهرام جميعا.



