د. سعيد اللاوندى يكتب : فستان سعاد حسنى
فى أوائل التسعينيات كنا فى باريس وداهمنا فى عام ١٩٩٢ حدوث زلزال فى أرض الكنانة، تناقل الخبر أبناء الجالية المصرية فى باريس وانشغلت التليفونات طويلاً، فالكل يريد أن يطمئن على أهله وذويه، ولا أدرى كيف حاول البعض ركوب الموجة الحزينة وقتئذ، فدعا ـ من دعا ـ الجالية المصرية إلى إقامة حفل وتخصيص دخله لضحايا الزلزال.
ولأن النجاح له ألف أب فكنا نرى السفارة المصرية تدعى أنها وراء دعوة المصريين وتنافسها القنصلية المصرية، ثم المكاتب الأخرى الموجودة فى باريس ـ وقتذاك ـ حتى إن أحد المكاتب الصحفية ادعى ذلك، وما لاحظته جيداً ــ وقد كنت هناك ــ أن كل هذه الهيئات وتلك المكاتب كانت تتنافس فيما بينها، تريد أن تظهر لمكتب الرئاسة السابق أنها هى وليس أحداً غيرها هى التى تقف وراء هذه التظاهرة!
ولا أعرف من تفتق ذهنه عن دعوة سعاد حسنى التى كانت تقيم فى باريس فى ذلك الوقت، لأن حضورها سوف يجعل المصريين ـ هكذا ظن ـ فى حرج منها وسوف يدفعون عالياً وغالياً.
فوافقت سعاد حسنى على الحضور، شرط أن يأتى لها أبناء الجالية بفستان جميل، لكى تحضر هذه المناسبة وكأنها سوف تذهب حفلاً ساهراً وليس حفلاً خيرياً لجمع تبرعات المصريين لنصرة إخوانهم من ضحايا الزلزال فى مصر!
لكن فستان سعاد حسنى ليس بألف أو ألفين من الفرنكات وإنما بعشرات الآلاف، وعندما وجه البعض سؤالاً لأحد الداعين لسعاد حسنى: إن فستانها مكلف، والمناسبة الحزينة لا تحتاج إلى كل هذه الكلفة! سمعته يصرخ ويقول: إيه يعنى بضع عشرات من الفرنكات! هذه هى سعاد حسنى مهما كلف ذلك من أمر!
ولأن صوته كان عالياً رضخ الجميع، وقاموا بتجميع المبلغ المطلوب، وحضرت سعاد حسنى فى ثوبها القشيب، ولم يلتفت إليها أحد، لأن المناسبة ـ كما قلت ـ كانت حزينة، ونسى هؤلاء الأوصياء أن يتبرعوا مع المتبرعين! أو على الأصح: اعتبروا أنفسهم فوق قانون التبرع هذا.. وحسبهم ـ هكذا ظنوا ـ أنهم حضروا.. فهذا فضل كبير!
الغريب أن المبلغ عن تصفية الحسابات فى النهاية لم يكن كبيراً كما تصور البعض، وبعد دفع إيجار صالة اليونسكو التى أقيم فيها الحفل، ودفع ثمن فستان سعاد هانم، وسرقة ما تبقى من أموال المسؤولة عنها القنصلية العامة، لم يتبق سوى مبلغ زهيد قدمه موظف القنصلية عن طريق البنك.
نسيت أن أقول إن أحد الموسرين العرب تبرع بألفى خيمة إلى متضررى الزلزال فى مصر.. وعندما ذهب إلى القاهرة اكتشف أن ما تبرع به يباع فى أحمد حلمى بمبلغ ٢٠٠ جنيه عن كل خيمة.
كذلك جاء على نفقة آخر نحو عشرة فنانين من مصر لحضور المناسبة، ونزلوا جميعاً فى فندق شهير فى باريس، لكنهم أجمعوا على أنه تمت سرقة عشرة آلاف دولار منهم! فكان أن دفع الشخص العربى هذا المبلغ مع وعد بأنه لن يدعو الفنانين المصريين مطلقاً.
أريد أن أقول إن الجالية المصرية فى باريس وغيرها من العواصم العربية ليست فى حاجة إلى وصاية من أحد، لأن تبرع هؤلاء لم يكن لدفع ثمن فستان الست سعاد، وإنما كان لضحايا الزلزال، لكن ما الحيلة ومصائب قوم عند قوم فوائد؟!



