محمد سلماوى يكتب : «بتوع ربنا»
أعجب من الحديث الذى يدور الآن حول رغبة الإخوان فى تشكيل حكومة جديدة يسيطرون فيها على معظم الحقائب ويتركون الفتات لبقية القوى السياسية وأحزابها، فمن الذى قال إن من حق الإخوان تشكيل مثل تلك الحكومة؟ إن النظام السياسى الذى تتبعه البلاد منذ سقوط الملكية عام ١٩٥٢ هو النظام الرئاسى، وفى هذا النظام فإن رئيس الجمهورية هو رأس السلطة التنفيذية، وبالتالى فهو الذى يشكل الحكومة، فكيف للإخوان بعد أن استحوذوا على مقاعد البرلمان أن يغتصبوا أيضاً سلطات رئيس الجمهورية؟
أفهم أن يقال إن أى وزارة جديدة بعد الانتخابات يجب أن تأخذ فى الاعتبار الأغلبية البرلمانية، لكن أن تأخذ تلك الأغلبية لنفسها حق تشكيل الحكومة وتوزع المناصب كيفما تشاء وتعلن ذلك فى الصحف وأجهزة الإعلام فهذا سطو سياسى غير دستورى، لأنه غير منصوص عليه فى الإعلان الدستورى الحالى، ولا كان منصوصاً عليه فى الدستور السابق، وبذلك يكون استقواء وخروجاً على القانون والدستور.
لقد أصدر الحزب التابع للإخوان المسلمين فى هذا الموضوع بياناً رسمياً يبرر سعيه للاستحواذ على السلطة التنفيذية بأن «الثقة التى منحها الشعب للبرلمان تلزمه بتحمل المسؤولية»، لكنه تناسى أن أول هذه المسؤولية هو الحفاظ على القانون، وأن يتفضل المهندس خيرت الشاطر الذى أعد التشكيل الجديد للحكومة فيصرح بأن «الجماعة» ستتولى فى حكومته وزارات الإسكان والصحة والتجارة والصناعة والتعليم العالى والبحث العلمى والتضامن الاجتماعى والاتصالات والتخطيط والتعاون الدولى والشباب والمالية والزراعة والبترول والقوى العاملة والسياحة والخارجية بالإضافة إلى وزارة جديدة للمجتمعات العمرانية، وأن الرأى يتجه لترك وزارة التربية والتعليم لحزب النور السلفى ووزارة الدفاع والإنتاج الحربى للجيش وما يبقى من الوزارات للأحزاب الأخرى، بل أن يصل الأمر لتحديد أسماء بعينها لشغل المناصب الوزارية ومنها اللواء محمد العصار عضو المجلس العسكرى الذى يقال إنه يحظى بتأييد الإخوان لوزارة الإنتاج الحربى، فهذا لغو كنت أفضل للإخوان وحزبهم أن يترفعوا عنه بأن يكبحوا جماح شهوتهم للسلطة ولو قليلاً.
إن خطورة هذا الحديث ـ وأنا لا أسميه إلا حديثاً ـ هو أنه يأتى من الاتجاه السياسى الذى يفترض أن يكون حامياً للقانون وضامناً للدستور، فإذا به فى أول اختبار يتجاهل القانون والدستور أو ما يقوم مقامهما وهو الإعلان الدستورى ويتصرف وكأن دستوراً جديداً قد كتب، وأن الشعب استفتى عليه وأقره، وأن هذا الدستور أصبح سارياً وأنه قد غير نظام الحكم فى مصر من الدولة الرئاسية إلى الدولة البرلمانية.
إننا نعلم جميعاً أن الإخوان قد أعدوا دستوراً كاملاً لم يعلنوه بعد وأنهم سيفاجئون به الهيئة التأسيسية التى من حقها وحدها وضع الدستور، لكن إلى أن يحدث هذا، وإلى أن تقوم الهيئة التأسيسية بالامتثال لدستور الإخوان المعد سلفاً، فإن حق تشكيل الحكومة بالشكل الهزلى الذى تناقلته الصحف فى الأيام الأخيرة ليس من اختصاص الإخوان المسلمين، ولا الحزب التابع لهم، ولا الأغلبية التى تمثل ذلك الحزب فى مجلس الشعب الحالى المختلف عليه، فكيف لمن يروجون لأنفسهم بين البسطاء بأنهم «بتوع ربنا» أن ينتهكوا القانون بهذا الشكل ويغتصبوا حقاً ليس لهم.
لقد استحوذ «بتوع ربنا» على السلطة التشريعية وهم يسعون الآن للانقضاض على السلطة التنفيذية أيضاً دون وجه حق.
لقد خرق «بتوع ربنا» القانون من قبل حين أقاموا أحزابهم على أساس دينى بالمخالفة للقانون ولما ارتضاه المجتمع وبموافقة ضمنية من المجلس العسكرى الذى كان يفترض أنه يحمى القانون، وكانت تلك غلطة كبرى تضاف إلى أخطاء المجلس الأعلى للقوات المسلحة التى أوصلتنا إلى ما نحن فيه الآن. وها نحن نرى هؤلاء الذين خرقوا القانون بتأسيس الأحزاب الدينية يتمادون فى خروقاتهم بالسطو على الوزارة، وها هى النخبة السياسية تنساق وراء هذا الهراء فتتناقل أخباره دون التنبيه لمخاطره، بل وربما أنها تتفاوض أيضاً حول الحصول على بعض حقائب تلك الوزارة المزعومة.
إن التمادى فى مثل هذا الاتجاه سيوصلنا إلى وضع يسيطر فيه الإخوان على جميع أجهزة الدولة، كما كان الحال مع العسكر طوال العقود الماضية، وإذا كانت الصيحة المتعالية اليوم تنادى بسقوط حكم العسكر الذى تغلغل فى حياتنا فإننا عما قريب سننادى بسقوط حكم الإخوان بعد أن يكونوا قد سيطروا على كل سلطات الدولة.



