د- حنين عمر تكتب -- سيدة المطارات
د- حنين عمر

أشارت بطارية اللابتوب إلى نهاية مخزونها، وكان علي أن أجد لنفسي أي مكان لأشحنها فيه قبل ركوب الطائرة مجددا لخمس ساعات مملة. تذكرت أنني رأيت مقبسا كهربائيا قرب الهواتف العمومية الموجودة على الجهة المقابلة لصالات العبور. فجرجرت حقيبتي الصغيرة إلى هناك، ووضعتها قرب الجدار وجلست فوقها بعد أن قمت بتوصيل اللابتوب بالشاحن، ثم رحت أتأمل العابرين حولي: أناسٌ من كل الجنسيات والديانات والألوان والأشكال والأعمار، فقد كان المطار في صبيحة ذلك اليوم مزدحما جدا، ولا اعرف لماذا رحت استرجع رحلاتي الجوية كلها في ذاكرتي بلا مناسبة.
أول مرة ركبت طائرة وأنا كائن يحمل اسما، كان مع أمي وأبي في رحلة متجهة من الجزائر إلى باريس، وكان عمري لا يتجاوز بضعة اشهر، وطبعا لا أتذكر شيئا عن هذه الرحلة التي أمضيتها نائمة في لا مبالاة تامة، ولكنني أعتقد أنني بشكل أو بآخر تعرفت يومها على رائحة المطار، وربما هذا ما جعلني فيما بعد أصبح سيدة المطارات وأصاب بالهوس الجوي، وجعل كل الأشياء العظيمة التي غيرت حياتي مرتبطة دائما بطائرة ما، و لا أمر إليها إلا عبر بوابات مغادرة و صالات وصول.
المطار بالنسبة لي هو المكان الوحيد الذي أشعر فيه بانتمائي الإنساني الحقيقي، المكان الذي أراجع فيه نفسي وأخطائي وأحلامي وأشكل فيه فلسفاتي ورؤيتي وجنوني، والذي أقوم فيه بصيانة عامة لـ"حنين"، لأنه يجمع الثلاثية التي تشكل وجودي : الرغبة في التحليق والابتعاد عن الأرض قليلا للاقتراب من السماء قليلا والتي تترجم علاقتي مع الله. والشعور بالضياع المخيف الذي يحولني إلى كائن لا مبالٍ يتنقل بحثا أحيانا عن وحدة أكثر، وأحيانا عن وحدة أقل، -دون أن يهمني كثيرا مكان انطلاقي، ودون أن يهمني مكان وصولي- والذي يترجم علاقتي مع الحياة. وأخيرا حالة التماهي في الحزن اللذيذ الذي يشتد كثيرا علي في المطارات، يعصرني بين أصابعه بلا رحمة ويقطرني كما تقطر الوردة ليجعلني عطرا شفافا حزينا، وكائنا يحمل ذلك الشيء الذي لا أعرف كيف أسميه ولا يهم أن اعرف كيف اسميه،مادامت أشعر به وبكونه جميلا حد البكاء والذي يترجم ببساطة علاقتي مع نفسي.
إنني أشعر أن المطار هو الصورة المصغرة الأكثر دقة للعالم: في كل لحظة يأتي أناس إليه من السماء ويغادره أناس نحو السماء،و نجد فيه كل ألأجناس البشرية، وكل الفئات العمرية،وكل أصناف العواطف الإنسانية، نجد فيه البكاء، الحزن، القلق، الانتظار، الفرح،الابتسامات وتلويحات الوداع وعناق اللقاءات، نجد فيه من يثرثر، من يفكر،من يقرأ، من يضحك، من يبكي، من يأكل...، هناك أناسا يسافرون من أجل المال، آخرون من أجل الحب، آخرون من أجل العلم، آخرون من أجل العائلة، آخرون من اجل أنفسهم، فكل شخص في المطار يتحرك باتجاه هدف معين كما يتحرك كل إنسان في هذا العالم من أجل هدف معين.
هناك أناس رحلاتهم قصيرة، أأناس رحلاتهم طويلة، أناس يسافرون في الدرجة الأولى، وآخرون في الدرجة السياحية، أناس يسافرون وحدهم، وأخرون يسافرون مع أحبتهم، هناك من يسافرون بحقائب ثقيلة ، وهناك من يسافرون بحقائب خفيفة. لكن في النهاية جميعنا مسافرون، وكلٌ منا في هذا العالم له رحلته الخاصة التي ستكون لها ظروفها واتجاهاتها وخصوصيتها وأرقامها. ولهذا سيظل العالم بالنسبة لي مطارا كبيرا ، وسيظل المطار عالما صغيرا، وسأظل لبقية عمري انظر الى الحياة عبر تذكرة جوية ولا يهمني كثيرا "من أين إلى أين ؟"، ولا "من ماذا نحو ماذا؟"، ولا يهم ألاّ يودعني أحد، ولا يهم ألا ينتظرني أحد، ولكن يهمني أن تكون رحلتي الحياتية جميلة وقصيرة وببطاريات لابتوب جيدة لأتمكن من الكتابة كثيرا قبل أن اترك دفاتري على مقعد في مطار ما، وأركب الطائرة للمرة الأخيرة نحو الأعلى.
حنين ///



