الامير اباظه يكتب-الحرباء؟
الحرباء
يذكرني ما يحدث –هذه الايام – من تحول بعض فئات المجتمع خاصة الفنانين منهم والصحفين ،وتغيير مواقفهم بعد نجاح ثورة 25 يناير في الاطاحة بنظام الرئيس السابق حسني مبارك بواحد من اروع قصص الاديب الروسي العالمي انطون بافلوفيتش تشيخوف – وهي قصة الحرباء ..
تدور احداث القصة حول كلب متشرد صغير هاجم احد الاشخاص في السوق فعقره وجرح اصابعه فطارده الرجل حتى امسك به . وظل الرجل بعد ذلك يصرخ من شدة الألم حتى جاء الشرطي ومعه مساعده يحملان الفاكهة التى صادراها من الباعة الجائلين بالسوق والرجل المصاب يصرخ من شدة الالم . بينما الكلب يجلس غير بعيد مرعوب من الضجة ومن حصار الناس الذين كونوا ما يشبه الدائرة حول الرجل والكلب والشرطي . ولما لم يجد طريقا للهرب جلس مستسلما لمصيره المحتوم.
بدأ الشرطي التحقيق في الواقعة .وقرر ان يلقي القبض على المجرم .وهو هنا ليس الكلب ولكنه صاحب الكلب الذى اطلقه في الشوارع يفزع المارة ويرعبهم لذا يجب محاكمة هذ المستهتر ليكون عبرة لكل من تسول له نفسه ان يترك حيوانا شرسا في الشارع. وربما يكون مسعورا بدون كمامة ليعرض حياة الناس للخطر ....يجب محاكمته فورا وان يدفع تعويضا لهذا المسكين الذى قد تعيقه هذه الاصابة عن العمل وكسب قوت يومه .
وعندما سأل الشرطي عن اسم المجرم صاحب الكلب كانت المفاجأة التى ألجمته فصاحب الكلب شقيق الجنرال حاكم المدينة .
كانت المفاجـة صاعقة للشرطي – الذى بدا عليه الارتباك إلا انه سرعان ما تمالك نفسه ،وتغير موقفه وتحول في لحظة واحدة من النقيض الى النقيض وبدلا من السعي للقبض على صاحب الكلب .والزامه بعلاج المصاب. ومنحه تعويضا عن إصابته .كما كان يقول منذ لحظات .والزامه بوضع كمامة على فم الكلب .حتى لا يؤذى الماره ، إذا بالرجل "الشرطي " يتوجه للرجل المصاب معنفا وموبخا وزاجرا بصوت عال فيه الكثير من التهديد والوعيد قائلا :
ان الكلب مخلوق رقيق في غاية الذوق والادب وانت الذى استفززت الكلب وأخرجته عن شعوره مما اضطر المسكين الى عض اصبعك دفاعا عن نفسه بعد ان ضيقت عليه في الطريق وآذيته .
والمتحولون ليسوا في قصة تشيخوف فقط ولكنهم موجودون في كل زمان ومكان .بل هم في عصرنا الحالي اكثر من أى عصر مضى . وهم ليسوا من العامة ولا من فقراء الناس ووضائعهم ولكنهم في مجتمعنا نجوما مضيئة ساسة وحكام ونجوم مجتمع فنانين ومثقفين .ادباء وأصحاب فكر ورآى. اعلاميون واذاعيون رؤساء تحرير صحف قومية .وخاصة .
و هم لا يتحولون مرة واحدة .ولا مرتين .ولكنهم اصحاب قدرة بالغة على التلون والتحور وتغير جلودهم كالحرباء التى تستطيع تغيير جلدها في اليوم مائة مرة من البياض الناصع الشديد الى الاسود القاتم ومن السيمون الى الاخضر ومن الاحمر الى الارجوانى الى الى الاصفر الى الازرق ألخ الوان عديدة .ووجوه مختلفة يرتدونها واقنعة متنوعة يلبسونها في كل لحظة مثل الممثل المحترف على خشبة المسرح الذى يجيد التنقل بين الادوار والشخصيات فهو كوميديان يوقعك من الضحك وهو تراجيديان يبكيك من شدة التأثر ثم يمزج بينها تارة اخرى فتضحك وعيناك مغروقتان بالدموع يفعل هذا بكل سهولة ويسر وموهبة وهو هنا يؤدي وظيفته .
أما أولئك المتحولون من اصحاب حرفة الادب والفن والرأى والسياسة والصحفين والكتاب فهم أسوأ الانواع البشرية .لأنهم خانو امنة الكلمة وباعوا ضمائرهم للشيطان . ولمن يدفع الثمن
.بل هم مستعدون للبيع لمن يزيد ويدفع اكثر فتتغير المواقف وتتحول الذمم ..وما اكثرهم في هذه اللحظة الفارقة من حياة مصر بعد نجاح ثورة الشعب في الاطاحة بأعتى النظم الديكتاتورية في التاريخ المعاصر ..
الأمير أباظة



