دكتور محمد صلاح ابو رجب يكتب-العلنيه والاعلاميه في المحاكمات الجنائية
العلنية ...... والإعلامية ...... في المحاكمات الجنائية
تقتضي المحاكمة العادلة المنصفة وجود نظم سليمة، تقرر لتعقب الجريمة ومحاكمة فاعلها في سرعة بغير تسرع، وفي حزم بغير افتئات ولا تطرف، ومن أهم ضمانات المحاكمة العدالة نظر الدعوي نظرا علنيا منصفا، فلكل إنسان، علي قدم المساواة التامة مع الآخرين، الحق في أن تنظر قضيته محكمة مستقلة محايدة، نظرا منصفا وعلنيا، للفصل في حقوقه والتزاماته وفي أيه تهمة جنائية توجه إليه.
وتعني العلنية حق الجمهور في حضور جلسات المحاكمة، وأن تتم المحاكمة علي الملأ بشكل علني لا سري، والعلنية هي حق دستوري حيث تنص المادة (169) من الدستور المصري علي أن "جلسات المحاكم علنية إلا إذا قررت المحكمة جعلها سرية مراعاة للنظام العام أو الآداب، وفي جميع الأحوال يكون النطق بالحكم في جلسة علنية" كما نص عليها قانون الإجراءات الجنائية المصرية في المادة (268) منه حيث أوجب أن تكون الجلسة علنية، ويجوز للمحكمة مراعاة للنظام العام أو محافظة علي الآداب أن تأمر بسماع الدعوي كلها أو بعضها في جلسة سرية أو تمنع فئات معينة من الحضور فيها. وقد نص علي مبدأ علنية الجلسات العديد من المواثيق الدولية مثل الإعلان العالمي لحقوق الإنسان ( المادة 10)، والعهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية (المادة 14/1)، وإعلان حماية المدافعين عن حقوق الإنسان ( المادة 9)، والميثاق الأفريقي لحقوق الإنسان والشعوب (المادة 7)، والميثاق العربي لحقوق الإنسان (المادة 16).
والأصل في الجلسات علنيتها للجمهور لا الخصوم فحسب، وهذه قاعدة رئيسية أجمعت الشرائع الحديثة عليها في دور المحاكمة، لأن حضور الجمهور يجعل منه رقيبا علي عدالة اجراءتها مما يدعم ثقته في قضائها فهي نوع من الرقابة الشعبية علي عدالة الإجراءات أمام المحكمة، هذا فضلا عن أن سماع المتهم الحكم بنفسه وفي علنية قد يكون أدعي لتحقيق غاية الردع من العقاب علي أوسع نطاق ممكن، ولا يتعارض مع علنية الجلسة أن يحدد الدخول إلي قاعتها ببطاقات لاعتبارات تتعلق بضيق المكان، واستثناء من ذلك أجاز القانون للمحكمة أن تأمر بسماع الدعوي كلها أو بعضها في جلسة سرية، أو أن تمنع فئات معينة من الحضور فيها مثل السيدات أو الأطفال، ولا تكون السرية إلا مراعاة للآداب العامة أو محافظة علي النظام العام، وقد ترك القانون تقدير السرية للمحكمة فلا رقابة لمحكمة النقض في ذلك.
والقرار بجعل الجلسة سرية يصدر من المحكمة لا من رئيسها وحدة إذا كانت مشكلة من أكثر من عضو، وينبغي أن يكون مسببا ولو بمجرد الاستناد إلي اعتبار النظام العام أو الآداب دون إيضاح آخر، ولا سرية مطلقا للخصوم في الدعوي.
أما إعلامية المحاكمات التي تعني بث المحاكمات في وسائل الإعلام، فهي تدخل في نطاق السلطة التقديرية لرئيس المحكمة حيث أن نظام الجلسة وضبطها منوطان برئيسها ( المادة 18 من قانون السلطة القضائية)، وبالتالي فلا إلزام علي رئيس المحكمة بإتباع مثل ذلك الإجراء وهو بث المحاكمات في وسائل الإعلام، فهو إن اتخذ هذا الإجراء فلا بأس عليه، وإن لم يتخذه فلا مطعن عليه حيث أنه لا يعد ذلك إخلالا بمبدأ علنية الجلسات الذي يختلف كل الإختلاف عن مبدأ إعلامية الجلسات.
وإعلامية الجلسات وإن كان فيها شفافية إلا أنها في مرحلة ما قد تؤثر علي القاضي في عمله من خلال التشويش والهرج الذي يحدث في الجلسة، ومحاولة بعض المحامين الظهور إعلاميا، فضلا عن أن بث شهادة الشهود علي الهواء قد يعرض حياتهم للخطر فيما بعد، وقد يدفعهم إلي التردد في الشهادة وأحيانا قد تصل إلي عدم قول الحقيقة تخوفا من أن شهادته مذاعة علي العالم بأكمله، فضلا عن ذلك فقد يضلل الشاهد – نفسه – بشهادته، أو المتهم بأقواله الرأي العام ابتغاءً لفوضي يريد تحقيقها تعطيلا للمحاكمة، وبذلك فإن بث المحاكمات إعلاميا من شأنه أن يؤثر علي الأمن القومي للدولة.
وحري بالذكر أن ضوابط المحاكمة المنصفة تتمثل في مجموعة من القواعد المبدئية التي تعكس مضمانيها نظاما متكامل الملامح يتوخي، بالأسس التي يقوم عليها، صون كرامة الإنسان وحقوقه الأساسية، ويحول بضماناته دون إساءة استخدام العقوبة بما يخرجها عن أهدافها، وذلك انطلاقا من إيمان الأمم المتحضرة بحرمة الحياة الخاصة، وبوطأة القيود التي تنال من الحرية الشخصة التي اعتبرها الدستور من الحقوق الطبيعة الكامنة في النفس البشرية ولا تنفصل عنها عدوانا، ولضمان أن تتقيد الدولة بالأغراض النهائية للقوانين العقابية التي ينافيها أن تكون إدانة المتهم هدفا مقصودا لذاته أو أن تكون القواعد التي تتم محاكمته علي ضوئها مصادمة للمفهوم الصحيح لإدارة العدالة الجنائية إدارة فعالة بل يتعين أن تلتزم هذه القواعد مجموعة من القيم التي تكفل لحقوق المتهم الحد الأدني من الحماية التي لا يجوز النزول أو الإنتقاص منها.
ويجب أن نعي جميعا ونطبق مبدأ أن المتهم برئ حتي تثبت إدانته بحكم قضائي نهائي، فالحكم هو عنوان الحقيقة، ويلزم علي القاضي عند الفصل في الاتهام الجنائي أن يحدث نوعا من التوازن ما بين حق الفرد في الحرية، وحق الجماعة في الدفاع عن مصالحها الأساسية، وكذلك يجب عليه أن يكون كافلا لمفاهيم العدالة حتي في أكثر الجرائم خطورة وأسوئها وقعاً علي المجتمع.
وأؤكد في نهاية الأمر أنه سواء تم بث المحاكمات الجنائية الحالية التي تتم مع الرئيس المصري السابق وأعوانه أم لا فإن العلنية متحققة، ويجب أن يكون هناك ثقة في القضاء المصري الذي يتمتع بالحيدة والنزاهة وقدرا من الإستقلال سيكتمل في الفترة القادمة بإذن الله، وتعد محاكمة الرئيس المصري السابق وأعوانه من المحاكمات التاريخية التي سيشهد عليها التاريخ، وستظل عالقة في أذهان العالم بأكمله، والكل يترقب الحكم في هذه القضية، لذا، فالمحكمة يقع عليها عبء ثقيل خاصة مع كبر القضية (حجما وموضوعا) ومتابعة الرأي العام العربي والعالمي لها، وهذا يتطلب عدم الضغط علي المحكمة في أي أمر وتركها وشأنها في اتخاذ جميع الإجراءات التي تساعدها في الوصول الحقيقة خاصة أن كافة الحقوق سواء أكانت حقوق المتهمين أو المجني عليهم (الشهداء) معلقة في رقابتهم، وهذه أمانة ثقيلة أشفق ويشفق الكثيرين غيري علي المحكمة فيها.
المستشار الدكتور/ محمد صلاح أبورجب
الخبير في القانون الجنائي الدولي



