دكتور ايمن السمان يكتب الهوي والكلام علي الهوي
دكتور ايمن السمان
لايختلف اثنان على دور الاعلام و خاصة المرئي في تشكيل وجدان و فكر الشعوب . و دور القنوات الخاصة و الاعلام الاخباري العربي في شحن الشعب المصري أثناء ثورة يناير لا ينكره الا جاحد . و لعل أسوأ صور استخدام الاعلام للتأثير على فكر و رأي الناس هو ما قام به الاعلام المصري الرسمي أثناء الثورة من روايات مختلقة عن تمويل خارجي و القبض على جواسيس في التحرير و الكنتاكي و غيره , و تجاوز الأمر ذلك الى استغلال نجوم الفن و الرياضة في توجيه رسائل تحمل فكر النظام السابق و و افراد مساحات زمنية كبيرة لهم في اعلام الدولة لنشر هذه الرسائل . ثم كانت المكالمات التليفونية المفبركة لبث الرعب في قلوب الناس و نشر أخبار البلطجة و العنف في شوارع القاهرة مما شجع على المزيد من حوادث العنف و البلطجة و شجع البلطجية أكثر و أكثر . و مع زيادة عدد الفضائيات واشتغال عدد كبير من غير الاعلاميين بالاعلام بدون دراسة أو تأهيل , أصبحت الأهواء تحكم البرامج التليفزيونية و أصبح كل مقدم أو معد يتصور أن وقت البرنامج ملكية خاصة يحق له أن يستخدمها حسب هواه لنشر قناعاته و بث ما يريد من رسائل . و أصبح من المعتاد اختيار الضيف الذي يتفق و فكر البرنامج , و المداخلات التليفونية اما أن تتفق و هذا الفكر أو تنال نصيبها من التسفيه اما صراحة أو بابتسامة سخرية مختلطة ببعض التلميحات عن سذاجة و جهل المتصل . و ما سمعته من قدامى الاعلاميين و ما أعرفه رغم أن دراستي بعيدة عن الاعلام هو أن المحاور اما أن يلتزم الحياد و يسمح للضيف بابداء وجهة نظره كاملة أو أن يتبنى الفكر المناوئ للضيف ( بعيدا عن قناعاته الشخصية ) ليخرج الضيف كل ما في جعبته الأمر الذي لم أعد أراه الآن الا فينا ندر . و تبلغ الخطورة مداها عندما يتلقى البرنامج مكالمات هاتفية مجهولة المصدر أو عندما يتم اجراء حوارات مع أناس مجهولي الهوية ليبدأ كل منهم في قص روايته فمنهم من يحكي عن الشرطة العسكرية التي أوسعته ضربا و منهم من يحكي عن ضابط الشرطة الذي حرق التوك توك و منهم من تحكي عن ابنها الشهيد الذي كان متوجها للقمة عيشه ( في الواحدة صباحا ) فاستوقفه كمين شرطة و انهالوا عليه ضربا حتى مات !!! فاذا ما اتفقت القصص وهوى المذيع فهي حقيقة مسلم بها و لا يكتفي بنشرها بل يغلفها بهالة من التهييج لا يضيرها بعض المكالمات التليفونية الغاضبة و المطالبة بالقصاص , و طالما كانت القصص على الهوى فلا يلزمها سند أودليل و ان تعارضت مع الهوى فهي مختلقة و ملفقة . و ذلك بالرغم من أن أي واقعة لقد تحتمل الصدق أو الكذب و يفترض أن يضع الاعلامي أمام عينيه وجود الاحتمالين و يحاول التحقق من الأمر قبل أن ينساق وراء احتمال واحد و يسير في الطريق الذي يحقق مأربه غير عابئ بتأثير كلماته و روايات ضيوفه على المتلقي و بما يمكن أن يحدث كرد فعل من هذا المتلقي . و نحن نعيش فترة حرجة للغاية في تاريخ مصر , أرجو أن يحكم كل منا ضميره و عقله و لا ننساق وراء كل ما نسمع و قبل أن نتحرك يجب أن يضع كل منا أمام عينيه فكرة أن ما يراه قد يكون صادقا أو كاذبا و نابعا عن الهوى .
د. أيمن السمان



