محمد القصبي يكتب- هل نحن في حاجة الي خمسين مؤتمرا ثقافيا كل عام
محمد القصبي
"
الثقافة وتحديات التغير" ..هذا عنوان مؤتمر آخر عقده اتحاد الكتاب بالقاهرة مؤخرا.. و تابعت أخباره مثل كل مؤتمراتنا الثقافية بانزعاج ..! فلا أظن أن دولة في هذا الكوكب تبارينا في عدد ما تكتظ به اجندتنا الثقافية من مؤتمرات منزوعة الجدوى..وطافحة لفيروسات الجمود والعجز
و المؤتمر كان من الممكن أن يصبح علامة فارقة في علاقة المثقف بالسلطة ..لوصارت الأمور كما تمنينا ولبى الدكتور عصام شرف الدعوة وحضر الافتتاح .. ليس لالتقاط الصور مع المثقفين ..بل لينصت اليهم ..باعتبارهم وجدان وعقل وبصيرة الأمة.. فيقولون له بهدوء وحكمة الثوري ..وليس غروره وحماقته ربما ما ينفع الأمة في هذه المرحلة .. لكن لأن المثقفين على ما يبدو صوتهم خفيض ..وبلا أظافر .. لم يحضر رئيس الوزراء ربما لانشغاله بالانصات الى معتصمي التحرير ..ليتعرف على مطالبهم فيما يتعلق بالتغيير الوزاري .. لأنهم أصحاب الصوت الأعلى والأظافر الطويلة حتى لو كانت أغلبية الشعب بدأت تضجر من استبدادهم..
هذا لايعني أن مثقفي مصر مستبعدون من خريطة اهتمامات الحكومة ..فقد أرسل رئيس الوزراء الدكتور عماد أبو غازي وزير الثقافة الذي يحظى بمساحة كبيرة من الحب في وجدان غالبية المثقفين لينوب عنه في حضور افتتاح المؤتمر ويثني على وثيقة كتاب مصر التي يراها معينا لكل من يبحث عن مستقبل أفضل لمصر .. وبدون الوثيقة التي منحت المؤتمر مذاقا مختلفا لأصبح مثل عشرات المؤتمرات الثقافية التي تنظم في مصر سنويا ...فعل متعمد لاهدار المال العام!
الهيئة العامة لقصور الثقافة تنظم وحدها ما بين 15 الى 20 مؤتمرا ..بدءا من المؤتمر الأب ..مؤتمر أدباء الأقاليم ..وانتهاء بمؤتمرات اليوم الواحد في المراكز والعزب والنجوع ومرورا بست مؤتمرات لأدباء شرق وغرب وشمال وجنوب .. بالاضافة الى مؤتمرات في المسرح والفن التشكيلي وربما مؤتمرات في فروع أخرى..ومفردات كل مؤتمر شنطة ابحاث وربما أكلة جمبري ..خاصة لوعقد المؤتمر في مدينة ساحلية .. وصخب اعلامي في جلسات الافتتاح والختام ..وقاعات خاوية فيما بين الافتتاح والختام ..! " وهذا ما اشار اليه الشاعر سعد عبد الرحمن رئيس الهيئة خلال افتتاح مؤتمر أدباء اقليم القناة وسيناء الذي استضافته الاسماعيلية الشهر الماضي ..حين طالب الاعلاميين بألا يقتصر تركيزهم في المؤتمرات على جلسات الافتتاح فقط "
وأخيرا ..توصيات يكنس اوراقها العمال وهم ينظفون المكان عقب انتهاء المؤتمر..والمحصلة النهائية ملايين اجنيهات من أموال الشعب تهدر بسفه فيما لاجدوى منه..!.. وطبقا لما ورد في مجلة محيط على لسان الفنان التشكيلي محمد عبلة
فقد تم إيقاف مؤتمر الفنون التشكيلية الأول الذي أقيم في عهد الرئيس السابق للهيئة أحمد نوار بعد اكتشاف مخالفات مالية كبيرة منها إعادة طباعة كتاب المؤتمر والذي تكلف 120 ألف جنيه – بحجة سرعة نفاده !!!!!!!!!!
ومع ذلك يشكو بعض المثقفين من أن نصيب المواطن المصري من ميزانية الثقافة 35قرشا فقط في السنة ..ورغم هذا فقروش الثقافة القليلة تلك تهدر فيما لاجدوى منه ..بل أن الكثير من هذه المؤتمرات كما يقول الشاعر الصديق شعبان يوسف خلال محادثة هاتفية حول همومنا الثقافية يقام لمجرد أن ثمة بندا خصص سلفا في الميزانية للمؤتمر ..وبالتالي ينبغي ان يقام ..أما مسألة هدف المؤتمر وعنوانه والمشاركون فهذه أمور يجري تدبيرها فيما بعد ..واختيار المشاركين بل والمكرمين ياتي على أساس المجاملة ..سبوبة يتيحها رئيس المؤتمر لأصدقائه وأحبائه ..
مؤتمرات " واشمعنى أنا "
وخارج جغرافية الهيئة العامة لقصور الثقافة ..ثمة جهات عديدة مدمنة مؤتمرات ..المجلس الأعلى للثقافة .. وكليات الأداب بالجامعات .. ومكتبة الأسكندرية ..وان كانت مؤتمراتها أكثر تحديدا لأهدافها ..وأخيرا نادي القصة الذي نظم مؤتمرين يفتقدان الى أي دافع حقيقي لعقدهما الا " واشمعنى أنا " ..وهو الدافع الذي كان أيضا وراء تنظيم المجلس الأعلى للثقافة مؤتمرات دورية للشعر والقصة القصيرة والترجمة ..
وكما نعرف في عام 2002 انطلق الملتقى الأول للرواية مصحوبا بصخب اعلامي .. أما الملتقى الثاني فليس من السهل أن يسقط من الذاكرة العربية ..انه الملتقى الزلزال كما وصفته حين ذاك في صحيفة القاهرة..حيث صعد الروائي الكبير صنع الله ابراهيم الى المنصة عقب اعلان فوزه بجائزة الرواية معلنا رفضه للجائزة لتهتز جدران شارع الثقافة في العالم العربي جدلا بين مؤيد ومعارض !
وعقب الملتقى الثالث الذي نظم عام 2006 وفاز بجائزته الراحل الكبير الطيب صالح بدأ الشعراء يجهرون بالشكوى : ولم الرواية وحدها التي يجري الاحتفاء بها ؟ وكللت مساعيهم بتنظيم ملتقى للشعر في عام 2007 ..واذا بكتاب القصة القصيرة أيضا يجهرون بالشكوى : ونحن ..ألا يحق لنا أن يكون لنا أيضا ملتقى ؟ ونجح لوبي القصة القصيرة في دفع المجلس الأعلى الى تنظيم ملتقى لهم وأيضا توج بجائزة منحت للكاتب السوري الكبير زكريا تامر ..!
واذا بأرباب الترجمة في العالم العربي تدفعهم الغيرة الى ممارسة ضغوطهم ليحظوا بمؤتمر وكان لهم ما أرادوا ..!
عناوين هلامية
..أما عناوين المؤتمرات فلاشيء منها يبقى في الذاكرة ..لأنها عناوين هلامية وغامضة ..وليس مؤتمر اتحاد الكتاب المزمع عقده هذا الشهر متفردا في عنوانه بكلمة " تحديات " ..
في ديسمبرمن العام الماضي نظم المجلس الأعلى للثقافة مؤتمرا تحت لافتة "الكاتب الأفريقي وتحديات العصر "
وفي مايو عام 2010 نظم إقليم غرب ووسط الدلتا الثقافي مؤتمره الإقليمي الأدبي الحادي عشر بعنوان "التحديات المعاصرة في شعر الإقليم "! ..
وأظن أن نصف مؤتمراتنا الثقافية خلال السنوات العشر الأخيرة لم تخل عناوينها من هذه الكلمة "التحديات " على شاكلة الابداع وتحديات العولمة .. الثقافة وتحديات الألفية الثالثة ..الأدب وتحديات العصر ..!اللغة العربية وتحديات العصر..! الترجمة وتحديات العصر وكما نرى عناوين فضفاضة لاتنم عن جدية منظمي المؤتمر لبحث قضية ما .. فهل يبدو مقنعا تخصيص مئة أو مئتي ألف جنيه أو حتى 50 الفا لتنظيم مؤتمر لبحث التحديات المعاصرة في شعر الاقليم " ..! ولاادري ما الذي يقصدونه بعبارة التحديات المعاصرة "..فعباءة المعاصرة قد تشمل القرون الخمسة أو الستة الأخيرة ..اي مع موارعصر النهضة ثم عصر التنوير في أوربا..فهل يمكن ان نلملم التحديات التي طفحت بها هذه الفترة وتهدد مثلا اللغة العربية ..في مؤتمر لمدة يومين أو ثلاثة تحت لافتة " اللغة العربية وتحديات العصر " .. ! وحتى لو اختزلت عباءة المعاصرة الى نصف قرن فقط ..فخلال العقود الخمسة الأخيرة ..انتشرت في عالمنا العربي ظاهرة التعليم الأجنبي و التوسع في تدريس اللغات الأجنبية في المرحلة الابتدائية بل وما قبلها ..والاحتفاء بالعامية في أجهزة الاعلام الحديثة .. والانفجار العلمي والتكنولوجي الهائل والذي يتناثر مصطلحات بلغات المنشأ تغزو ألسنتنا لنتداولها بدون وعي ..وثورة المعلوماتية وماطفحت به من ركاكة في الحوارات على مواقع التواصل الاجتماعي .. وولع رجال الأعمال والتجار وحتى الحرفيين بالمصطلحات الأجنبية من كوافيرعباسكو الى بوتيك ام السعد و سوبر مارك أبو دراع ..الى هايبر محمد سكلانة ومول كيدالنسا!! وكلها تحديات هائلة تهدد لغتنا ..فهل نكون جادين في مواجهتها حين نحشدها في مؤتمر من عدة جلسات تحت لافتة " اللغة العربية وتحديات العصر" ..!
هل يعقل !
"كأنه سوق وليس مؤتمرا للرواية .."
عبارة
رددها الناقد الكبير الدكتور محمد عبد المطلب في ذهول وهو يتابع على مدار أربعة أيام
مؤتمر الرواية الخامس الذي عقد اواخر العام الماضي و شارك فيه ثلثمائة باحث ..
أي بمعدل 75 بحثا في اليوم الواحد .. فاذا كانت خمس جلسات تعقد كل يوم ..وكل جلسة ..
تستغرق ساعتان ..فيتعين على المشاركين مناقشة ما يقرب من ثمانية أبحاث في الساعة
الواحدة ..
هل يعقل !
وليس سؤالي وحدي ..يقينا سؤال كثيرين في الشارع الثقافي .. وهو مفتتح لسؤال آخر
:ماهي الجدوى من تنظيم مثل هذه المؤتمرات !
وكما نوهت في مقال سابق علينا أن نفرق بين الندوة والمؤتمر ..الندوة قد تنظم لرصد حالة أوظاهرة ..مثل
الواقعية السحرية في الرواية العربية أو ظاهرة المسرواية في الابداع العربي..وهكذا
.. فالندوات تقوم بدور المرصد لظواهر أو حالات ليس بالضرورة سلبية.. ولامانع من ان
تنتهي بتوصيات ..أما المؤتمر فلاينبغي أن ينظم الاتحت وطأة مشكلة ما في حاجة الى
تشخيصها وادراك أبعادها ومخاطرها والبحث عن السبيل الأمثل لمواجهتها ..وبالتالي
يتعين أولا تحديد الهدف من تنظيم المؤتمر ..ومن الهدف ينبثق عنوان واضح ومعبر بدقة
عن هذا الهدف ينظم تحت لافتته المؤتمر..نموذجا .. ظاهرة انقراض القاريء بشكل عام ..والتي لاتهدد الابداع فقط ..بل كل
أحلامنا بتحديث الدماغ العربي ليكون القاطرة التي تقود المشروع التنموي القومي الذي
يضع الأمة في قلب الخريطة الحضارية للقرن الواحد والعشرين ..!فلا يمكن تحديث الدماغ المصري بدون كتاب وقاريء ..أليس هذا بالمأزق
التاريخي الجدير بأن تنظم حوله العديد من المؤتمرات ..!
.. أحدها مثلا يبحث دور النظام التعليمي في تأجيج شهوة القراءة .. وثان عن دور التليفزيون ..وثالث عن دورالصحافة ..ورابع عن الوسيط الثقافي ممثلا في وزارة الثقافة وهيئاتها .. وكل مؤتمر يعد له جيدا من حيث تحديد المشاركين فيه من أهل الاختصاص ومنحهم مايكفي من الوقت ليعدوا أبحاثهم التي تجذر المشكلة وتشخصها وتحدد الخيارات المتاحة لمواجهتها ..على ان تشكل لجنة مراقبة من قبل رموز ثقافية وتحت اشراف جهة سيادية مثل مجلس الوزراء لمتابعة تنفيذ هذه التوصيات ..! بل وتمنح فترة لتنفيذ التوصيات ..ومساءلة المسئولين على مالم يتم تنفيذه !
وعودة الى مؤتمر اتحاد الكتاب الذي عقد تحت تلك اللافتة
الهلامية " الثقافة وتحديات التغير" .. فلاأدري ما يعنونه بالثقافة ..ان كان المعني حزمة القيم التي ينبغي أن تجسد في سلوكيات وعادات وتقاليد ايجابية من اجل تحديث المجتمع.. فرغم بساطة التعريف.. فالتحديات كثيرة ..
ابرزها هذا المد الجاهلي الذي لايقبل بأقل من الارتداد بمصر الى ما قبل التقويم الهجري ..خيمة في صحراء الربع الخالي ..ومقاومته ليس بالمهمة السهلة وقد ضرب بجذوره في القاع المصري .. وامامنا الأمية ..فكيف يجري تحديث الدماغ المصري ..وبيننا ما يقرب من ثلاثين مليونا لايعرفون القراءة والكتابة ..ثم ثقافة التسول التي استشرت ..واستسهال الحصول على المال من خلال مهن طفيلية بدلا من العمل الجاد ..وغياب روح العمل التطوعي والجماعي ..وانتشار الفكر الخرافي والشعوذة ..حتى بين المتعلمين .. تحديات كثيرة تمثل ثقافة مناوئة لثقافة التنوير – قيما وسلوكا وعادات - التي ننشدها ..وكل تحد منها في حاجة الى أكاديمية لدراسته وتشخيصه وايجاد الحلول .. وتطبيق هذه الحلول ..وبالتالي من السخف أن أحشد هذه التحديات في مؤتمر لمدة يومين تستهلك ميزانيته في احتفائيات الافتتاح ومكافاة باحثين على أبحاث مستهلكة أو لاتمت بصلة للافتة المؤتمر .. بل أنه خلال تلك الجلسة التي نوقشت فيها قضايا مؤسسات المجتمع المدني أثارالكاتب نبيل عبد الحميد رئيس مجلس ادارة نادي القصة والروائية نجلاء محرم قضيتين بالغتا الأهمية .. الأولى تتعلق بأنيميا المال التي تعاني منها المؤسسات الثقافية - نادي القصة على سبيل المثال – والثانية حالة العزلة التي تواجه هذه المؤسسات ..حيث تبدو كل مؤسسة وكأنها جزيرة منعزلة انقطعت بها السبل بالمؤسسات الأخرى – مؤسسة نجلاء محرم نموذجا – وكل قضية من هاتين القضيتين في حاجة الى مؤتمر قائم بذاته ينعقد تحت عنوان واضح ..وتشارك فيه الجهات المعنية وتوضع توصياته تحت عين جهة سيادية للتأكد من تنفيذها .. فمثلا مؤتمر حول تمويل المؤسسات الثقافية ..ينبغي أن نكف عن مد أيدينا للدولة و رجال الأعمال ..وكما يقول المثل الانجليزي من يدفع للزمار يعزف له مايريد من الألحان ..فأي مؤسسة ثقافية لن تقوى على مواجهة ممول ان رأت في سلوكه اعوجاجا ..وقد تقدمت باقتراح أن يأتي التمويل من قبل الجامعات والمدارس الخاصة ..فاضافة مئة جنيه لدعم الثقافة على الرسوم الدراسية التي تتراوح مابين 4 ألاف الى مئة ألف لكل طالب لن يمثل مشكلة ..خاصة وأن هؤلاء الطلاب هم - أو يفترض هذا - مستفيدون من المنتج الثقافي ..ويضاف الى هذا ما قاله الناقد القاص سيد الوكيل عن الدعم الذي تقدمه مؤسسات دولية للثقافة ..بشرط أن تكون غير مسيسة .. وتأطيرهذا المقترح في خطط واجراءات في حاجة الى مؤتمر ينظمه مثلا اتحاد الكتاب وتشارك فيه وزارتي التربية والتعليم والتعليم العالي ..ليكونا الجهتين المشرفتين على تنفيذ التوصيات..
لكن ثمة قضية أراها ملحة الآن ..ويتعين على الاتحاد سرعة تنظيم مؤتمر حولها .. عنوانه
هل نحن في حاجة الى خمسين مؤتمرا ثقافيا كل عام ..!



