نجلاء بدير تكتب -الم الحياة العادي
كلمة لابد منها
الكاتبة الكبيرة والرائعة والعظيمة نجلاء بدير هي واحده من اهم الصحفيات في مصر بل في العالم العربي التي تعطي بلا حدود للغير تسخر قلمها ومجهودها وصحتها ووقتها من اجل مساعدة الفقراء والمحتاجين والضعفاء الاستاذه نجلاءبدير شرف لاي صحفي واي مصري ويسعدنا في ايجي ميديا ان نقوم بنقل مقالاتها باعتبار انها استاذه ورائدة ولها افضال كثيرة جدا
نجلاء بدير
نجلاء بدير ( بالمشاركة مع جريدة التحرير)
دخلت حجرة عاطف فى الرعاية المركزة بالمستشفى الفرنساوى (وعاطف هو أحد المصابين بطلق نارى أمام السفارة الإسرائيلية فى 15 مايو).
فوجدت سيدة أنيقة بجوار السرير تهمس فى أذنه «شد حيلك يا عاطف» أنا اسمى طنط إيمان، إنت فى سن ابنى بالظبط، إنت هتبقى كويس يا عاطف بس اجمد وشد حيلك. الحقيقة أن عاطف كان يستجيب لكلماتها بحركة خفيفة بجفونه، الجزء الوحيد القادر على التحرك فى وجهه.
كنت أزور عاطف يوميا منذ دخوله المستشفى ولم أرها من قبل، لا حظت هى دهشتى فعرفتنى بنفسها: أنا إيمان فوزى كنت جايه أزور مصابى الثورة مع هبة وغادة وعرفت بوجود عاطف هنا فصممت أشوفه، ممكن أساعد بإيه؟ أنا بجد عايزة أساعد، كانت الدموع تملأ عينيها.
هل تكفى هذه المقدمة لتعرفوا عن من أتكلم؟
هى سيدة تعرفت عليها فى ما بعد عن قرب تعيش حياة مرفهة، زوجة دبلوماسى، خريجة جامعة أمريكية منذ أكثر من عشرين سنة، لم تعمل إلا سنوات قليلة لتصطحب زوجها فى عمله خارج مصر، تسكن فى مصر الجديدة منذ طفولتها.
فى مارس الماضى علمت إيمان بالصدفة أن دولة النمسا على استعداد لعلاج اثنين من مصابى الثورة على نفقتها، وعلمت أيضا أن وزارة الصحة فى ذلك الوقت ردت أنه لا يوجد لدينا من يحتاج للعلاج فى الخارج. قررت إيمان بمجهوداتها الشخصية أن تبحث عن المصابين وتساعدهم على السفر.
وكانت البداية من أحمد غريب الذى قرأت ما كتبه عنه بلال فضل، وعرفت أنه نزيل فى مستشفى كليوباترا، فزارته وتعرفت من خلاله على مصابين آخرين، لم تساعد أحمد لأن آخرين سبقوها وساعدوه، لكنها استطاعت أن تساعد الكثيرين غيره ونجحت.
تعرفت إيمان فى رحلتها على سيدات تحملن نفس المهمة بنفس الطريقة الفردية الشخصية، وبنفس التفانى والحماس والصدق، أغلب هؤلاء السيدات لم تكتب عنهن الصحف ولا ظهرن فى التليفزيون ولا قدمن أنفسهن للمجتمع بأى صورة، انتظارا لأى مقابل ولا حتى كلمة شكر.
عندما طلبت من إيمان أن أجرى معها حديثا صحفيا رفضت بشدة، وقالت إن ظروف عمل زوجها تقتضى أن تكون حريصة فى الظهور الإعلامى، وعندما حاولت زميلتى أن تدعو سيدة أخرى ساعدت فى علاج مئات الحالات، اسمها هبة للظهور فى التليفزيون رفضت هى الأخرى، معتبرة أن الظهور الإعلامى يفسد العمل الطيب، وهكذا نادية وشيرين وغادة وجميلة وغيرهن لم أتعرف عليهن شخصيا، لكن قابلت مصابين وأسرهم فى طريقى بالصدفة، حكوا لى عن سيدةٍ ما، لا يهم اسمها، تظهر فجأة تخفف ألم الإصابة وألم الروح بدون أى مقابل.
تحولت حياة إيمان إلى أشعات وتحاليل ومستشفيات فى مصر وإيميلات وتليفونات للخارج. وتعرفت على حياة أخرى عن قرب تعرفت إيمان على حياة فقراء مصر الذين كانت تمر على أحيائهم بالسيارة، وعقدت صداقات مع شباب الثورة الحقيقيين وشباب آخرين أصيبوا بالصدفة فتعلموا أن يكونوا ثوريين.
تعرفت أيضا على موظفين ومسؤولين، وتعلمت أن تدير حوارات لساعات طويلة، وهى تعرف أنها لن تنتهى إلى شىء.
أخيرا تعرفت إيمان على شبكات المصالح التى تتحكم فى الإعلام، وتعلمت أن تبحث عن من يعمل مع من وضد من حتى تعرف لماذا؟
مؤلمة هى الحياة أحيانا. وتألمت إيمان.. آلمها بعض من أحبتهم واهتمت بهم وحاولت أن تساعدهم.
حاولت أن أنقل إليها خبرتى لأخفف عنها الألم.. ففشلت.
لا مفر من أن يتألم كل منا وحده.. ليتعلم وحده وبخبرته الشخصية: كيف يتحمل ألم الحياة العادى؟!



