سلامة عبد الحميد يكتب: عندما تهاجم روزاليوسف الشرطة وتدافع عنها الوفد

دفعني صديقي وزميلي إيهاب الزلاقي من خلال رصد سريع قام به لعناوين الصحف المصرية الصادرة اليوم الخميس حول أحداث مساء الثلاثاء وصباح الأربعاء في التحرير لكتابة هذا المقال حيث ظهر في العناوين مجددا القمع الأمني والكذب الإعلامي والبيانات المضللة من وزارة الداخلية وكأنك يابوزيد ما غزيت وسلملي على الثورة والشهداء وحكومة الثورة والمجلس العسكري.
مفاجئتي لم تكن في العناوين التي نشرها إيهاب على "تويتر" وإنما في حجم التباين والإختلاف وربما النفاق والتدليس والكذب الذي يمكن اكتشافه بمجرد وضع كل تلك العناوين أمامك متجاورة، تلك مشاعر مواطن عادي فما بالك لو أنك مثلي تعمل في تلك المهنة وتعرف الكثير من الأمور عن الداخل في تلك الصحف.
سألتزم بترتيب الزلاقي لعرض عناوين الصحف لكن بطريقة عكسية، فالدستور تقول: "مؤامرة على الثورة.. فتنة الميليشيات في قلب القاهرة"، واليوم السابع تقول: "من يحرق مصر؟ تفاصيل ساعات الكر والفر من مسرح البالون إلى ميدان التحرير.. والمجلس العسكري يحذر من خطة مضادة لنشر الفوضى"، والوفد: "أبناء مبارك يشعلون النار بين الداخلية والثوار في ميدان التحرير"، والمصرى اليوم: "عودة الدماء والدموع إلى ميدان التحرير"، والشروق: "1114 مصابا فى مواجهات بين الأمن والمتظاهرين فى ميدان التحرير.. المتظاهرون يتهمون الشرطة باستخدام العنف".
ننتقل إلى الصحافة القومية، روز اليوسف تقول: "فتح التحقيق حول استخدام قنابل الغاز وطلقات الخرطوش: اشتباكات دامية واعتصام مفتوح من البالون إلى التحرير"، والجمهورية: "موقعة الحواجز والمتوسيكلات فى ميدان التحرير"، والأخبار: "سيناريو نشر الفوضى"، والأهرام: "إدانة واسعة للعنف في ميدان التحرير وتحذير من عودة الثورة المضادة".
نظرة سريعة للعناوين تكشف حالة من التباين الصريح ربما تكون منطقية في الساعات الأولى من الأحداث لكنها غير مقبولة بالتأكيد بعد مرور أكثر من 24 ساعة وغير مقبولة بالتأكيد بعد قيام الزملاء في كل الصحف بدراسة الموقف وسؤال المصادر واستقصاء الحقائق التي لا يمكن لعاقل أن يقبل أنها غير مدبرة ولا يمكن أن يتم استبعاد ضلوع الأمن والفلول فيها.
لكن نظرة متأنية تظهر المزيد من التفاصيل الأهم، أولها أن الصحف القومية التابعة للحكومة والنظام أكثر حرصا من مثيلاتها المعارضة والمستقلة ربما بدافع الخوف من تدهور شعبيتها في الشارع أكثر مما هي عليه الأن بسبب عقود من الكذب والتضليل، فالصحف الثلاثة الكبرى "أخبار أهرام جمهورية" لم تتهم أحدا ولم تنحز لطرف في عناوينها رغم أنك تشتم من خلال القراءة التحيز الصريح فيما نشرته لصالح الرواية الرسمية التي يكذبها الشباب في الميدان جملة وتفصيلا.
الأغرب أن روزاليوسف صوت النظام السابق الأبرز كانت الأكثر تشددا في اعتبار ما قامت به الشرطة غير مقبولا وأبرزت في عنوانها خبر فتح التحقيق في القمع الأمني، في حين أن "الوفد" المفترض أنها صحيفة معارضة وصفت المتظاهرين بأنهم "أبناء مبارك" واتهمتهم باشعال النار بين الشرطة والثوار في حين قالت "الدستور" المفترض أنها مستقلة إن المتظاهرين في التحرير ميليشيات تتأمر على الثورة معتبرين ما جرى "فتنة".
الشروق المستقلة وروزاليوسف القومية وحدهما وجها اتهاما ضمنيا للشرطة في عناوينهما بينما باقي الصحف اعتبرت الأمر ملتبسا ولعبت على الحبل حتى لا تغضب المجلس العسكري الذي استخدم لفظ مبارك المحبب "الزعزعة" في بيانه حول الأحداث.
ماذا يجري في الصحافة المصري؟ سؤال لابد أن نجيب عليه سريعا لو كنا نسعى إلى اكتمال الثورة، وكلمة السر التي لا يمكن أن نتجاهلها أبدا هي "المال" فرجال الأعمال يمولون الصحف القائمة ويعملون حاليا على إصدار المزيد منها ليس حبا في الحقيقة ولا سعيا وراء تشغيل الصحفيين وإنما لمصالحهم الشخصية المترتبة على الدفع باتجاه محدد والهجوم على فصيل محدد.
الصحافة مخترقة منذ زمن طويل لكنها الأن باتت مستباحة.



