د. سمير نعيم يكتب : لماذا أرفض الاستفتاء على الدستور؟
منذ عرفت مصر الانتخابات والاستفتاءات وهناك قواعد تحكم لعبة الانتخابات والاستفتاءات تحدد سلفاً الفائز فيها منذ اليوم الأول لدعوة المواطنين للاستفتاء أو للانتخاب، وهذه القواعد لم تتغير، ولذلك فإن نتيجة الاستفتاء على مشروع الدستور الذى سيجرى يوم ١٥ ديسمبر الجارى محسومة لصالح الموافقة عليه بالأغلبية حتى دون تزوير فج لعملية التصويت.. الطرف الذى يجيد اللعبة وفقا لهذه القواعد هو الفائز، وفى حالتنا هذه جماعة الإخوان المسلمين التى وضعت الدستور الذى سيجرى عليه الاستفتاء. القاعدة الأولى هى قاعدة المال، سواء الذى ينفق فى الدعاية أو فى رشوة الناخبين، فمن لديه تمويل غير محدود لابد له من الفوز أمام من لا يملكون مالاً أو الذين يترفعون عن رشوة الناخبين ثقةً منهم فى مكانتهم وشعبيتهم. الذى يستطيع تغطية الشوارع فى كل مكان بـ«نعم» أو «لا»، الذى ينقل الناخبين بالسيارات إلى اللجان، الذى يستأجر من يقفون أمام اللجان وأحيانا داخلها للدعاية، الذى يقدم الهدايا «الرشاوى» العينية للمواطنين وكذلك المالية تكون فرصته بالطبع أكبر فى أن يحصل على أصوات أكثر فى مجتمع يعيش نصف السكان فيه تقريبا تحت خط الفقر ويعانون من الأمية، مما يمكّن الجماعة التى تؤيد الموافقة على الدستور من استغلال معاناة هذا القطاع العريض مع عمليات الإقناع والتأثير المعنوى عليهم. وقد طالبنا قبل الاستفتاء على التعديلات الدستورية فى مارس ٢٠١١ وكذلك الانتخابات البرلمانية والرئاسية بسن قانون يجرّم رشوة الناخب ويضع لها عقوبة السجن والغرامة، مع التطبيق الصارم للقانون وكذلك مراقبة شعبية للأموال المحددة للدعاية الانتخابية.. ولكن لا حياة لمن تنادى، وقد فاز فى كل هذه المناسبات من كان لديه التمويل غير المحدود فضلا عن القدرة على توجيه هذه الأموال للجماعات المستهدفة. القاعدة الثانية هى استخدام أسلوب الوصم للمخالف والإثابة للمؤيد، خاصة إذا اعتمد فى ذلك على أقوى النوازع الأخلاقية لدى الإنسان وهو النازع الدينى. وقد أجاد التيار الإسلامى فى وصم المخالفين له بالكفر ومحاربة الإسلام، مستغلين انتشار الأمية الأبجدية، بل الثقافية بفعل نظام التعليم المتخلف، فقيل لهم إن العلمانيين والليبراليين والديمقراطيين والمدنيين كفار لأن هذه الكلمات لا دلالة لها لديهم، وأوحوا لهم بأن الله مع مؤيديهم، كما أنه تم استخدام المساجد فى الترويج لأفكارهم. وقد طالبنا أيضا بسن قوانين وتعاقب بالسجن والغرامة كل من يسىء للدين الإسلامى الحنيف ويخدع الشعب باسمه.. وأيضا لا حياة لمن تنادى، وفاز فى كل مناسبة من أجاد تسخير الدين لكسب الأصوات. القاعدة الثالثة هى التحالف مع السلطة القائمة وقيام هذه السلطة بمساندة حليفها بالتغاضى عما يقوم به من أفعال مخالفة للقانون، مثل: إرهاب فئة من الشعب معروف عنها أنها ليست مؤيدة له ومنعهم من الوصول لمراكز التصويت، والتغاضى عن تزوير باللجان أو تقسيم الدوائر بشكل معين يحقق أهداف الحليف، أو تسخير إمكانات الحكومة لخدمته، مثل: السيارات أو العمال والموظفين، وكذلك تحديد موعد الاستفتاء أو الانتخاب ليلائم حليف السلطة. وأيضا دعونا لسن قانون يعزل أى موظف حكومى يرتكب مثل هذه الجرائم، ولا حياة لمن تنادى. القاعدة الرابعة هى استغلال القبلية خاصة فى ريف مصر، وعقد الاتفاقات مع شيوخ القبائل لضمان التصويت الجماعى لصالحهم. إن دراستنا لجميع الانتخابات والاستفتاءات التى أجريت فى مصر خلال السنوات الثلاثين الأخيرة، على الأقل، تثبت لنا أن الفائز فى الانتخابات والاستفتاءات كان دائما هو من أجاد اللعب وفقا لهذه القواعد التى تعمد النظام الإبقاء عليها طوال سنوات ما قبل الثورة التى صمم رجال النظام الجدد بعد الثورة على الإبقاء عليها. لذلك، أرى أن نتيجة الاستفتاء على هذا الدستور غير المتوافق عليه، الذى يكرس الفاشية والديكتاتورية، والذى يشتمل على مواد تلغى الدستور تماما وتمهد لولاية الفقيه والرئيس الحاكم بأمر الله مثل المادة ٢١٩، ستكون ومن المؤكد الموافقة عليه حتى ولو لم يحدث أى تزوير، لسبب بسيط أن كل القوى السياسية والثورية لن تلعب وفقا لقواعد اللعبة، لأنها لا تملك المال أو تربأ بنفسها عن استخدامه، ولا تستغل الدين فى التنفير أو الاستمالة، وليست حليفا للسلطة بل مغضوب عليها منها، ولا صلة لها بالقبلية. ولأن الغالبية العظمى من المواطنين لم ولن تقرأ الدستور وتعتمد على ما يقال لها من مصادر المعرفة. المطلوب الآن وبشدة الحشد لتغيير قواعد اللعبة أو نظام الاستفتاء والانتخاب من جهة، والبدء بداية صحيحة بتشكيل جمعية تأسيسية ممثلة لجميع أطياف الشعب المصرى وطرح مشروعها للحوار الوطنى مادة مادة بمدة كافية قبل الاستقتاء. وهذا لن يتأتى إلا إذا خلصت نية الحاكم وأعلى مصلحة الوطن على كل ما عداها من جهة، وتصميم وإصرار الثوار من جهة أخرى. أيها السادة.. إننا أمام دستور سيحدد مستقبل مصر لسنوات لا يعلم عددها إلا الله سبحانه وتعالى.



