رولا خرسا يكتب : مخنوقة
مخنوقة، كتبت هذه الكلمة على «الاستاتوس» الخاص بى على الـ«فيس بوك»، لافاجأ بأن الرد من كثيرين كان: «كلنا». طبعا تعليق متوقع حاولت تحليل أسبابه بطرح سؤال بديهى: «ما الذى يجرى؟»، وبعيدا عن السياسة الضبابية والاقتصاد المنهار بدأت أفكر بشكل ميتافيزيقى أى ما وراء الطبيعة، لأن ما يحدث فى بلدنا صعب أن يحلله البشر دون الارتكاز على ميولهم وتوجهاتهم السياسية وبالتالى سوف تختلف النتيجة باختلاف موقعك وما يجمع كل الأطراف هو أنهم يلقون بالتهم على بعضهم البعض، المهم طرحت أسئلتى والأسباب التى تخيلتها، والتى قد تبدو لكثيرين بعيدة عن المنطق. هل كمية المصائب التى تنهال علينا يوميا إما على شكل كوارث أو حوادث أو أخبار سيئة، هى السبب فى هذه الخنقة؟ أكيد هى أحد أهم الأسباب، فالوضع فى مصر يشعرنى كأننا فى أسطورة إغريقية قديمة مثل تلك التى قرأناها «ومتوقع طبعا أن يتم منع تداولها أو تغيير وظيفة آلهة الإغريق بوظائف أخرى قريبا»، وكأن هؤلاء الآلهة الذين تصورهم لنا الروايات فى جبل أوليمبوس فى صورة البشر ورسموهم وفقاً لذاك التخيّل شكلاً وقواماً وأسبغوا عليهم صفات القوة الخارقة والقوام البديع والجمال الرّائع، وصوروهم لنا كالبشر يأكلون ويشربون وينامون ويحبون ويكرهون ويفرحون ويحزنون، والأهم أنهم يكافئون عندما يرضون ويعاقبون عندما يغضبون ويكون عقابهم عادة شديدا على شكل هدير وعواصف. فى أحيان كثيرة أشعر وكأننا نعيش أسطورة إغريقية وتحركنا أياد خفية تتحول إلى أشكال مختلفة كيفما شاءت. تفسير ميتافيزيقى ثان لحالة الخنقة التى نعيشها: أشعر بكل عناصر الطبيعية تحاصرنا.. النار، الماء، الهواء، والأرض. نسير على أرض غاضبة، أكاد أشعر بها تتقلب تحتنا. أرواح الشهداء فى رفح وشهداء أوتوبيس أسيوط من أطفال وشهداء بورسعيد قد تكون بإذن الله قد استقرت فى جنة الخلد ولكن الأرض غاضبة من أيدى الغدر التى طالتهم، وأيدى الإهمال التى حرقت قلوب أمهاتهم، وأيدى المسؤولين التى تلطخت بدمائهم. الهواء هو العنصر الثانى، أشعر به وكأنه تغير، كمية الأكسجين الموجودة فيه قلت، وصفته صديقة بقولها: أفتح النافذة لأحاول أخذ نفس عميق فلا أستطيع. ووجدتها تصف حالتى بالضبط أنا أيضا لم أعد أستطيع فى أوقات كثيرة أخذ نفس عميق ومن كثرة ما اشتكى الناس من الخنقة بدأت أشك أن هناك من يقوم بتعبئة الأكسجين فى زجاجات ويسربها لبلاد أخرى. وأفهم معنى عبارة سمعناها كثيرا تقول: «حاسس بحاجة طابقة على صدرى»، المشكلة أن الحاجة طابقة على صدر ناس كثيرين، وعدم القدرة على أخذ النفس أصبحت سمة فأصبح كل واحد روحه فى مناخيره ومش طايق ذباب وجهه كما يقال، والذباب أصبح كثيرا بسبب انتشار القمامة فى الشوارع، وضيق النفس جعل الناس أكثر عصبية وأكثر توترا وأطول لساناً ويداً وأكثر عنفاً. العنصر الثالث هو النار فى الأسعار وفى الغضب الموجود فى العيون، إذ أصبحنا نرى الشرر يتطاير ويحول محادثات عادية إلى مشاجرات ومعارك. والعيون دوما مرآة لما يحمله الإنسان داخله فالعيون تفضح النفوس، سبحان الله مهما علت الابتسامة فوق الوجه تجد العيون وقد فضحت ما ينضح داخل القلب، فقساة القلب أعينهم كالزجاج بلا روح، والعكس صحيح إذ تجد القلوب الطيبة النقية وعيون أصحابها أكثر نقاء وصفاء. تبقى من عناصر الطبيعة المياه ولو جمعنا هذه المشاعر لأحسسنا بأن حالنا فى البلد كمن كان على متن تيتانيك الباخرة العملاقة، ومصر أشبه بها ونحن على متنها نتخبط، تعرف أن المركب يغرق ونتشبث بالحلم والأمل أن مصر محفوظة وأنها مذكورة فى القرآن والإنجيل. فى ظل كل هذه العوامل الميتافيزيقة المعقدة تجدنا مكبلى الأيدى، نختنق ونغرق ونحترق ويغدر بنا.. وعندما تبطل الحيلة نشعر بضآلتنا.. فلا يتبقى إلا الدعاء. وفى الدعاء تكمن المعجزات.



