«أحمد الجمال يكتب : وإخوانهم يمدونهم فى الغى» صدق الله العظيم
ما جرى منذ فرمان الوالى محمد مرسى يستحق القراءة، وإجهاد الذهن فى فك طلاسمه.
ولست بصدد الحط من شأن مرسى بتلقيبه بـ«الوالى»، وهو لقب ارتبط تاريخيا بحكام الأقاليم التابعة لدولة الخلافة، إذا جاز إطلاق مصطلح الدولة الحديثة على تلك العصور، التى رغم اختفائها عمليا كخلافة إلا أنها قائمة ماثلة فى ذهن وتصور الإخوان المسلمين ومن شاكلهم، وما التنظيم الدولى أو التنسيق العالمى إلا «دوبلير» الخلافة لحين إعلانها، وما المرشد إلا قائمقام الخليفة، فتراه يأخذ البيعة، ويعطى الأوامر، ويعين المسؤولين، ويبسط يده ليقبلها كل من دخل عليه من جماعته، ويتكلم فى كل شىء من أول أصول الدين وأصول الفقه والتفسير والحديث والتاريخ، وقد يحلو له أن يتفكه ويمارس خفة الظل فيقع فى الابتذال الذى لا يليق بأستاذ جامعة أولاً، ثم بقائمقام خليفة المسلمين ثانياً، ويبدو أن الشىء الوحيد الذى لم يضبط وهو يتكلم ويفتى فيه، هو تخصصه العلمى كأستاذ بيطرى، فيما الوطن يعانى أزمات عاتية فى ثرواته الحيوانية، ونصيب مواطنيه من البروتينات الحمراء!
«مرسى» هو الوالى إذن المكلف من فوق بحكم ولاية مصر، وما يتخذه من فرمانات لا يمكن أن يكون بمعزل عن إرادة الباب العالى، الذى هو بالصدفة أو بغيرها يتخذ مقراً فى أعلى مكان فى عاصمة المحروسة، وهو هضبة المقطم.
وربما يخيب توقع القارئ لمسار هذه السطور التى أكتبها مساء الأحد لتنشر صباح الأربعاء، لأنها لن تتناول الفرمان من حيث البطلان أو الانعدام، ولا من حيث الديكتاتورية أو الأوتوقراطية أو الأوليجاركية، بحكم وجود نخبة مكتب الإرشاد، وإنما ستتجه إلى ما أظنه وراء اتخاذ الفرمان!
فمن مضمون بعض عبارات الوالى مرسى، سنجد أنه يعتقد أن كل قراراته وحركاته وسكناته هى إلهام إلهى، مثلما كان الأمر بالنسبة للرسول الأعظم، صلى الله عليه وآله وسلم، وأرجوكم، بل أرجو المتخصصين فى علم تحليل المضمون أن يسارعوا إلى تحليل خطاباته المتكاثرة بضراوة كالبكتيريا.. النافعة طبعاً!
ولأنه يُلهم فإنه كما أعتقد لا يتوانى عن صلاة الاستخارة قبل أى قرار أو مسلك، وهذا أمر طيب، لأنها سنة نبوية شريفة، لكن وفى غمرة الإلهام قد لا يدرك مولانا حضرة الوالى أن الشيطان يجرى من ابن آدم مجرى الدم فى العروق، وأن إبليس اللعين أعلن وفى الحضرة الإلهية أنه سيبقى يغوى سلالة آدم إلى يوم الدين، وحصل على المهلة لذلك، بل إن الشيطان يا سيدى الوالى يلقى فى أمانى البشر بمن فيهم الرسل، وما أمانيهم إلا إراداتهم الحاضرة والمستقبلة، واقرأ معى الآية ٥٢ من سورة الحج: «وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ وَلَا نَبِىٍّ إِلَّا إِذَا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطَانُ فى أُمْنِيَّتِهِ فَيَنسَخُ اللهُ مَا يُلْقِى الشَّيْطَانُ ثُمَّ يُحْكِمُ اللهُ آيَاتِهِ وَاللهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ».. ثم اقرأ الآيات من ٢٠٠ إلى ٢٠٢ من سورة الأعراف، لتعرف أن الشيطان ينزغ البشر بمن فيهم الرسل، وأن للشيطان طائفاً يمس الناس «وإخوانهم يمدونهم فى الغى ثم لا يقصرون» «الأعراف: ٢٠٢»، ثم اقرأ الآية ٥٣ من سورة الإسراء التى تأمر العباد بقول التى هى أحسن، لأن الشيطان ينزغ بينهم «وَقُلْ لِعِبَادِى يَقُولُوا الَّتِى هِىَ أَحْسَنُ إِنَّ الشَّيْطَانَ يَنْـزَغُ بَيْنَهُمْ إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلإِنْسَانِ عَدُوًّا مُبِينًا» صدق الله العظيم، فهل فكرت ولو للحظة يا مولانا الوالى أن الشيطان ليس هو إبليس وسلالته ولا الجن، وإنما هناك شياطين الإنس وما أكثرهم فى جماعتك وعلى أعلى مستوى، والدليل والبينة هو ما جاء فى كتاب «سر المعبد» للرجل المحترم الأستاذ ثروت الخرباوى، الذى آثر أن يقول الحق ولا يخشى فى الله لومة لائم.
شياطين الإنس فى الباب العالى بالمقطم والإسكندرية وغيرهما، ربما هم من يلقون فى أمانيك ويصورون لك أنك ملهم، وأن فرمانك الأخير هو كما شبهته مماثل لهجرة رسول الله، صلى الله عليه وآله وسلم!
لن يأتيك من السماء ما ينسخ ما ألقاه الشيطان فى قراراتك وأعمالك، لأن ذلك انتهى بنهاية الرسالات والنبوات، ولذلك فإن السماء أمرتك أن تأخذ بالأسباب، وعلى رأسها العلم وقواعده فى كل أمر، وأمرتك ألا تحنث فى وعد قطعته على نفسك، وبالقطع فإن شياطين الإنس، وربما الشيطان المكلف بغوايتك يدخل فى عقلك وقلبك أن ما يصدر منك إلهام، وأن لك أن تستند إلى كل ما ورد بالرخصة للمضطر، فإن الضرورات تبيح المحظورات أو من اضطر غير باغ، ودرء المفسدة إلى آخره. وأخيرا فإما أن تكون رئيسا منتخبا وفقا لقواعد وضعية دخلت الانتخابات بها، وأقسمت على احترامها، ووفقا لعهود قطعتها على نفسك ومن حولك وقف آنذاك رموز العمل الوطنى من مشارب مختلفة، وإما أن تكون واليا يتلقى الأوامر من الباب العالى فى المقطم، ثم يحصن نفسه بأنه ملهم.. وهذه كارثة، لأن البرهان على نزغ الشياطين هو انقسام الأمة وشبح الاقتتال الذى سيفنى الجميع.
a_algammal@yahoo.co.uk



