عبدالرحمن فهمى يكتب : هكذا شق كبار الصحفيين طريقهم
غضب بعض الزملاء الصحفيين منى لأننى كتبت فى هذا المكان فى الأسبوع الماضى أن الصحف القومية حولت المحررين إلى موظفى حكومة يجلسون على المكاتب يستخدمون التليفون للحصول على الأخبار التى تهم الوزير ولا تهم الناس، ثم يشربون القهوة أو الشاى وينصرفون! وهذه حقيقة.. وتعانى منها الصحف القومية فعلاً.. وأريد اليوم أن أروى للزملاء الشبان كيف شق بعض كبار الصحفيين طريقهم إلى المجد.. قصص عاصرتها بنفسى. ■ فى أواخر الأربعينيات سهر شاب من أثرياء العرب الكبار فى ملهى ليلى مشهور فى شارع الهرم، واحتسى من الخمر ما احتسى، ثم اصطحب أشهر راقصة فى ذلك الوقت - لا داعى لذكر الأسماء الآن - وانطلق بسيارته الكاديلاك الفارهة إلى وسط البلد، وعند منتصف كوبرى الجلاء بالجيزة، اتجه بسرعته الجنونية إلى اليمين، ظناً منه أن الكوبرى انتهى، وهذا هو شارع الجبلاية! فحطم سور الكوبرى، وسقطت السيارة وفيها الشاب، الذى كان ابن أحد حكام هذا البلد العربى ومعه الراقصة المشهورة إلى قاع النيل! وقع هذا الحادث قبيل الفجر بقليل، يومها ذهب صحفى ناشئ اسمه عبدالمنعم الصاوى! إلى مكان الحادث وظل به من الخامسة صباحاً حتى الساعة العاشرة، حين تم انتشال السيارة، ونزل مع فرق الإنقاذ فى اللنش الخاص بهم، وشاهد وعايش عملية انتشال السيارة عن قرب، وعرف كل التفاصيل، كان الصحفى الوحيد فى مكان الحادث طوال هذا الوقت، ثم ذهب إلى جريدته ليكتب صفحتين كاملتين، فضلاً عن صفحة ثالثة للصور، وبدأت شهرة هذا الصحفى الصغير، ثم ازدادت بمهاجمته لسفير مصر فى لندن عبدالفتاح عمرو، عميل السراى والإنجليز خلال وجوده فى لندن كمراسل صحفى، ثم أصبح فيما بعد عبدالمنعم الصاوى وزير الثقافة والإعلام، وقبلها نقيباً للصحفيين، ورئيس تحرير لأكثر من صحيفة! إنها دروس لشبابنا! ■ الحادث الثانى كان أكثر شهرة.. كان اسمه «سفاح كرموز»، فقد فوجئ بوليس الإسكندرية باختفاء الفتيات بمعدل فتاة كل ثلاثة أو أربعة أيام، اختفاء تاماً لا أثر قط لإحداهن حية أو ميتة! وزاد عدد الفتيات المختفيات بشكل أثار الرأى العام كله، لا فى الإسكندرية وحدها، بل فى مصر كلها، واستمر هذا الرعب شهوراً، اختفى خلالها عدد من الفتيات، يعلم الله عددهن، ثم أراد الله وحده أن يكشف هذا السفاح الصغير بالصدفة المحضة، عن طريق فتاة صغيرة فى بداية عمر الشباب، لمحت هذه الفتاة من على بعد شاباً يحاول الاقتراب منها قرب حدائق، وفى وسط المدينة عند نهاية شارع كان اسمه شارع فؤاد أيامها، فأسرعت الفتاة، ثم جرت بكل السرعة التى أسعفتها بها ساقاها، فهى تعلم كثيراً عن حديث المدينة الخاص بخطف الفتيات! وتم إبلاغ البوليس الذى قام بحفر هذه الحديقة المظلمة الواسعة جداً الكثيفة الأشجار فوجد جثث الفتيات المختفيات! هنا هرب السفاح الصغير «١٩ سنة» إلى أسيوط مسقط رأسه، وتم القبض عليه هناك، فسافر صحفى ناشئ اسمه سعد مكاوى! كانت له ميول قصصية مبكرة، سافر إلى أسيوط ليرافق «سفاح كرموز» فى القطار. رصد سعد مكاوى مغامرات الصبى الصغير الغرامية الساذجة المبكرة جداً، فتم فصله من جميع المدارس! ثم دفعه الجنس المبكر مع الفراغ إلى الجريمة، كتب سعد مكاوى صفحتين كاملتين «١٦ عموداً»، إذا قرأت أول سطر لن تترك الصحيفة إلا مع آخر سطر.. بعد سنوات قليلة أصبح سعد مكاوى أشهر أديب فى مصر، ورئيس لجنة القصة بوزارة الثقافة وترجمت قصصه لكل لغات العالم. هناك قصص آخرى أهم.. لكن المكان ضيق.. فإلى عدد آخر بإذن الله تعالى.



