عزت القمحاوي يكتب : أرجوك..لا تعطنى هذه الحرية
المسودة المطروحة للدستور حاليًا تؤكد أنه سيكون فرصة أخرى مضيعة. فلا يمكن لعاقل أن يتصور أن دستورًا يجرى إعداده بالمغالبة يمكن أن يستقر حتى لو حشدت للموافقة عليه قوى التصويت على قاعدة الحلال والحرام التى كانت أول سرقة كبيرة للثورة بالاستفتاء على الإعلان الدستورى المكبل.
لا تعطى المسودة حقًا فى مادة إلا لتسلبه فى مادة أخرى، والأسوأ من هذا هو الروح. الدستور هو روح القوانين، وهذه المسودة روحها سيئة، تعادى كلمات العدالة والمساواة وتعلى كلمات التكافل والعطف والتراحم، هذا يعنى الانتصار لمجتمع الإحسان الطوعى من الأغنياء تجاه الفقراء، بدلاً من مجتمع الحقوق والواجبات المتساوية.
ولا يمكن مناقشة كل شىء فى هذه المساحة، لذلك سأقتصر على مواد الحريات العامة الثلاث التى شملت حريات الصحافة والإعلام، بعد أن كانت هذه الأخيرة تتمتع بباب كامل فى دستور ١٩٧١ باعتبارها سلطة رابعة. ولابد من إيراد النصوص كاملة، لبيان عوارها القانونى وركاكتها اللغوية، والأهم إفراطها فى الحرية فى مواضع مؤذية وحبسها فى مواضع ضرورية.
مادة ٤١: «حریة الحصول على المعلومات والبیانات والإحصاءات والوثائق وتداولها، أیا كان مصدرها ومكانها، حق مكفول للمواطنین، وتلتزم الدولة بتمكینهم من مباشرة هذا الحق دون معوقات والإفصاح عن المعلومات، بما لا یتعارض مع الأمن القومى، أو ینتهك حرمة الحیاة الخاصة. وینظم القانون قواعد الحصول على المعلومات، وإجراءات التظلم من رفض إعطائها، والجزاء المناسب لمن یقوم بذلك».
والسؤال أولاً عن الكرم والإفراط: هل من حق كل المواطنين الحصول على كل المعلومات؟!
هذا الكرم غير واقعى وغير آمن، من الممكن مثلاً تقييد هذا الحق بالمصلحة الشخصية لطالب المعلومات أو مصلحة البحث فى مجال اختصاصه، مع قصر الحق المطلق على من يتعلق عملهم بالدفاع عن المجتمع من قضاة وصحفيين.
على كل حال هذا الكرم يتبدد عندما نسأل عن التزام الدولة فى هذه المادة. الأوفق أن نقول الحكومة (لأن الدولة هى الأرض والشعب والحكومة) ثم إن الركاكة تأخذنا إلى أن (الدولة) ستلتزم بتمكين المواطنين من الحصول على المعلومات وإجبارهم على الإفصاح عنها فى ذات الوقت. وأما اشتراط عدم التعارض مع الأمن القومى فينسف حق الحصول على المعلومات من أساسه، لأن إحصاء عدد الأطباق اللاقطة على أسطح قرية مصرية عمل يتعلق بالأمن القومى، ناهيك عن إحصاءات السكان والصحة والمرض وإعداد التلاميذ.
وإذا كانت المادة قد أضافت تقدمًا على دستور ١٩٧١ بالنص على إجراءات للتظلم من رفض إعطاء البيانات وتقرير جزاء مناسب «بدون تحديد» فإن الصياغة الركيكة تأخذنا مرة أخرى إلى عدم وضوح المقصود بـ«من يقوم بذلك» هل هو من يتظلم أم من رفض إعطاء البيانات؟!
مادة: ٤٢ «حریة الصحافة والطباعة والنشر وسائر وسائل الإعلام مكفولة، والرقابة على ما تنشره محظورة، ویجوز استثناء فى حالة إعلان الحرب أن تفرض علیها رقابة محددة».
لا بأس برقابة أثناء الحرب، لكن ما معنى «محددة»؟ أليس الصحيح «محدودة»؟
مادة: «٤٣ حریة إصدار الصحف، بجمیع أنواعها، وتملكها للأشخاص الطبیعیة والاعتباریة مكفولة بمجرد الإخطار. وینظم القانون إنشاء محطات البث الإذاعى والتلیفزیونى ووسائط الإعلام الرقمى».
هذه المادة تخص الصحافة المكتوبة بحرية الإصدار بمجرد الإخطار، بينما توكل إلى القانون أمر الوسائل الأخرى. وعندما يصمت الدستور عن الرقابة المالية على أعمال هذه المؤسسات نكون مرة أخرى أمام كرم خطر وتفريط فى حق المجتمع الذى يجب أن يعرف مصادر تمويل هذه المنابر الإعلامية، لكى يعرف هوية من يلعبون فى دماغه.
والتجربة ماثلة أمامنا، إذ تتحمل الفضائيات والصحف الخاصة نصف جريمة تبديد ثورة ٢٥ يناير، وإذ يستمر المحرضون على قتل الثوار نجومًا يتقاضى الواحد منهم عشرة أضعاف ما يتقاضاه المذيع المحترف فى القنوات الخليجية.
دستور ١٩٧١ نص على خضوع الصحف فى ملكيتها وتمويلها والأموال المملوكة لها لرقابة الشعب، لكن هذا النص لم يطبق، وكان الأولى بدستور الثورة أن يضبط عمومية نص ١٩٧١ ويحدد جهة للرقابة، لا أن يترك حبل التمويل مفتوحًا على أجولة الفلول المساجين وبوابات التمويل الأجنبى.



