«مروى مزيد تكتب : الحكومة ماتت»
أشياء معينة فيها تجمع ما بين صلابة امرأة تمثال «نهضة مصر» لمحمود مختار، طغيان الحضور لدى فيفى عبده، وعنوان كتاب جمال حمدان فى الجغرافيا «شخصية مصر»: يطلقون عليها «أم طارق»، لكن حين سألتها عن اسمها أجابتنى مبتسمة: «لازم يعنى؟»، لما أصررت على معرفة المعنى المقترن بها قالت: «كريمة». شىء ما فيها ينم عن الكرم والكرامة فعلا. فقد لمست من جلستها فى مستهل الشارع المقابل لمسجد الحسين ملامح عزة، هيمنة، سلطة، جاذبية، مروءة، خبرة، ومعرفة بالحياة. كنت أصطحب صديقة لبنانية تزور القاهرة، وعند تصويرى لمئذنة مسجد الحسين الجانبية لعلنى رأيتها «مائلة» بعض الشىء! سألت: «هى المئذنة دى مايلة؟!» تناقشَت «أم طارق» وزوجها «عم زغلول» حول ما إذا كانت هذه المئذنة الأصلية التى رُمّمَت منذ سنوات أم أنهم وضعوا مئذنة جديدة، ولم يستطيعوا «ظبطها عدل».. اختلفا فى سرد رواية «الميل» و«الترميم»، وربما علىّ لاحقا أن أبحث فى الأمر. كانت سمراء ترتدى الجلباب الأسود والطرحة السوداء التى تكشف عن حلق فى أذنيها، وسلسلة بها «قرن فلفل»، وربما لمحت آية قرآنية أيضا، وفى رسغها ست غوايش، كلها من الذهب. أناقة ما، وجمال خاص، وتضاد واضح بين الأسود والذهبى تجعلها مميزة فى مدخل الشارع هذا. تبيع الحمص الجاف هى وزوجها «عم زغلول»، الذى يجلس «مالى مركزه» بجوارها، عيناه عسليتان مائلتان للاخضرار وبيده عصا غليظة، وكأنه «فتوة» من فتوات زمان. لكنهما كانا سريعين ليقولا لى: «الفتوة الطيب اللى يجيب حق الغلابة، مش الفتوة الشرير!» منظرهما سويا يجعلهما «أيقونة» للأزهر، والحسين، وخان الخليلى ويذكرنا بشخصيات نجيب محفوظ. وبما أننى حين لمحتهما سويا، يعكسان صفات الشراكة، والتساوى، والقوة لكليهما معا، بت أنظر إليهما وكأنهما «ممثلا المصريين» جميعا. فحين قلت لأم طارق: «بس إنت شخصية! واضح كدة إن فيكى هيبة معينة للست المصرية..!» كان تعليق زوجها على كلامى: «هى كدة فعلا.» أعجبنى رده.. احترمت اعترافه بحضور زوجته ومكانتها مع شخص غريب عنهما مثلى. أردت أن أعرف إحساسها بالمكان، بحالة الأمن، هل تخاف «أم طارق» على منطقتها؟ ربما الذهب التى كانت ترتديه هو ما جعلنى أسأل: «ألا تخشين إظهاره؟» قهقهت عالياً: «وهو ده دهب ده؟!» ظننتها ستقول إنه «فالصو»، لكنها استدرَكت قائلة: «أيوه هو دهب. بس يعنى ده حبة صغيرين! فين أيام ما كان لحد هنا!» وأشارت من منتصف ساعدها فأعلى. أكمَلَت: «شوفى.. دى منطقتى من خمسين سنة.. بركة الله وبركة الحسين.. وإحنا كلنا هنا عارفين بعض. بنسيب بضاعتنا وحاجتنا ونروح ننام ونرجع الصبح نلاقيها!». أردت أن أستفسر منها عن مصدر إحساسها بالأمان: هل هو الإيمان ببركة المكان إذن؟ أم أن العلاقات الاجتماعية خاصة هناك، بحيث الكل معروف للكل؟ كان ردها: «تقدرى تقولى كل ده مع بعضه!» ثم جاء فى ذهنى احتمال ثالث: أم أن أجهزة الأمن فى هذا المكان السياحى هى مصدر الأمان؟ هنا ضحكت «أم طارق» قائلة: «الحكومة ماتت.. بقى لها بتاع سنتين أهو!» «الحكومة ماتت؟!» تعبير فارق. ماذا يعنى لشعب لو «ماتت» حكومته؟ ماذا يترتب على «موتها»؟ هنا نظرت إلى عصا «عم زغلول»، سألته عن سلوك الشباب، هل هيبة «الرجل الكبير» مازالت موجودة؟ هل يستطيع بكلمة أن «يفض خناقة» ويصد عدوان واحد عن الثانى؟ قال لى: «أيوه!» سألت: «أكيد يعنى؟» كان رده: «طبعا». افتكرت عبارة «لما عم الحاج يعدى» فى الأغنية الشعبية الرائجة.. يمكن فعلا «كله بيوقف لعب (وخناق) وبيهدى..» لكن الآن وبعد التقائى «ولاد البلد دى اللى حاميينها»، هل لى أن أسعد «بقوة المجتمع» أم علىّ أن أخشى «ضعف الدولة»؟ marwa@u.washington.edu



