نوال السعداوى تكتب : مص دم الأطفال بالفم
يخلع الرجل العجوز (٨٣ سنة) ملابس الطفل المولود، عمره ثمانية أيام، يكشف عن عضوه الذكورى الدقيق، لا يكاد يراه بعينيه الكليلتين، فما بال أن يمسكه بأصابعه الضخمة المجعدة، الموس حامى النصلين مرفوع فى يده، بخبطة سريعة كالبرق يهبط الموس فوق رأس عضو الطفل، فالقا غرلته نصفين، يمسكهما الرجل بطرفى إصبعيه الكبيرين، يملأ فمه العجوز بالنبيذ الأحمر من الكأس، ينحنى برأسه الضخم الأصلع تغطيه طاقية اليهود السوداء، ينحنى حتى يلاصق فمه عضو الطفل، يمتص الدم بشفتيه من الجرح، يغرقه بالنبيذ الأحمر، بينما يرتفع صراخ الطفل الحاد وشهقاته المتقطعة الأخيرة تذوب فى أصوات الابتهالات لله وصلوات الرجال فى الغرفة المستمتعين بمشاهدة العملية الجراحية. ليس هذا فصلا خياليا فى رواية سينما، بل واقع وحقيقة تحدث كل يوم.. الرجل اسمه «رومى كوهين» يحمل فى التراث اليهودى لقب الموحل «mohel». أجرى خمسة وعشرين ألف عملية ختان فى ولاية نيويورك خلال الأربعين عاما الماضية، ويمتص الدم من الجرح النازف حسب الطقس اليهودى القديم المسمى «متزتزاه بيه» لا يزال يؤمن به اليهود الأرثوذكس والمحافظون. تقدر الإحصاءات (جريدة نيويورك تايمز ١٣ سبتمبر ٢٠١٢) أن «٣٦٠٠» عملية ختان مع مص الدم تجرى سنويا للأطفال الذكور من عمر ٨ أيام، وتقدر الإدارة الصحية أنه بين عامى ٢٠٠٠ و٢٠١١، أصيب ١١ طفلا بعدوى «الهيربس» وغيرها من الأمراض المعدية مما يؤكد خطورة العمليات. لهذا شرعت الإدارة الصحية فى استصدار قرار يحتم الحصول على موافقة الوالدين على ختان طفلهما مع إدراكهما خطر العملية. يؤيد حاكم ولاية نيويورك مشروع القرار الأول من نوعه فى الولايات المتحدة الأمريكية، والذى قد يؤدى مستقبلا إلى منع ختان الذكور فى أمريكا وبلاد أوروبية. الموحل «رومى كوهين» يفضل دخول السجن على تأييد قرار منع ختان الذكور، يؤكد أنه يضمن تعقيم الموس وغرغرة فمه بالمحلول المطهر «ليستيرين» منعا للعدوى، لكن الإدارة الصحية تؤكد أن العملية ضارة بصحة الطفل، ويدور الصراع بين العلم والدين فى نيويورك فى خريف عام ٢٠١٢ كما يدور فى بلاد تعيش وراء الشمس من النيام نيام ما يقلق الأطباء أن العدوى بفيروس «هيربس» تنتقل سريعا بالفم، وأن ٧٠٪ من سكان نيويورك البالغين مصابون بالهيربس، ويمكن أن يؤدى الهيربس إلى وفاة الطفل المولود إن أصيب به. تحدث الاصابة من انتقال العدوى بسرعة من لعاب الموحل «المختن» إلى عضو المولود، بل تنتقل العدوى عن طريق أدوات الشرب والفوط فما بال مص الدم بالفم! القيادات اليهودية المحافظة تخطط لرفع دعاوى ضد الإدارة الصحية إن أصدرت قرار منع ختان الذكور، مدعين أن القرار يعتدى على الدستور الأمريكى الذى يؤكد احترام الحريات الدينية، وأن مص دم الطفل بالفم أثناء عملية ختانه جزء من حريتهم الدينية، ومفيد للصحة أيضاً، ألم يختن النبى إبراهيم ابنه إسحاق؟ اليهود المستنيرون يؤكدون أن مسائل الصحة من اختصاص الأطباء وليس رجال الدين، وأن مص الدم بالفم أثناء الختان ليس من التراث اليهودى الصحيح. الموحل «رومى كوهين» يشرع فى تدريب الأجيال المتعاقبة من المختنين على تعقيم الموس وتطهير الفم واللعاب، كما يحفظ الغرلات المستأصلة من رؤوس أعضاء المواليد الذكورية فى برطمانات مليئة بالرمل والقرنفل المطحون، وأمنيته الوحيدة أن يدفن بعد موته مع برطماناته فى أرض إسرائيل، حيث يعود المهدى المنتظر.



