د. منار الشوربجى يكتب : مصر بين «أوباما» و«رومنى»
رغم أن مصر حظيت باهتمام معتبر فى المناظرة الرئاسية التى جرت بين «أوباما» و«رومنى» فإن ما قالاه عن مصر لا يحمل جديداً. فما جاء على لسانيهما لم يخرج عن النشيد التقليدى الذى سمعناه دوماً، والمتعلق بأهمية معاهدة السلام والتعاون الأمنى فى تحديد علاقة أمريكا بمصر، وضرورة الالتزام بالديمقراطية وحقوق الإنسان وخصوصاً حقوق المرأة والأقليات. والحقيقة أن غياب الاختلاف بين المرشحين فى تلك المناظرة مصدره أمران، أولهما حرص «رومنى» قبل أسابيع من الانتخابات على أن تبدو مواقفه أقل تطرفاً مما ظلت عليه طوال الحملة، وثانيهما أنه لا يوجد اتفاق أصلاً لا داخل إدارة «أوباما» ولا داخل حملة «رومنى» على كيفية التعامل مع مصر تحديداً. و«أوباما» تحدث عن مصر ببرود لا تخطئه العين. فبعد أن صرح بأن الزعامة الأمريكية لم تكن معناها القبول بسحق الشباب بالدبابات فى ميدان التحرير، قال «أما وأن هناك اليوم حكومة منتخبة فى مصر، فإن عليهم تحمل مسؤولية حماية الأقليات الدينية.. والاعتراف بحقوق المرأة.. والالتزام بمعاهدتهم مع إسرائيل.. وبالتعاون معنا فيما يتعلق بمكافحة الإرهاب». وهى النقاط نفسها التى طرحها «رومنى»، الذى ألمح أيضاً لنيته فى استخدام المعونات كأداة للضغط من أجل تحقيق المصالح الأمريكية. ورغم أن كامب ديفيد والتعاون الأمنى، فضلاً عن قضيتى المرأة والأقليات ذُكرت وكأنها كلها أهداف أمريكية، إلا أن هناك ما يدل على أن بعضها وسائل وبعضها أهداف. فالمتفق عليه، أمريكياً حتى الآن، هو استخدام قضيتى حقوق المرأة والأقليات كوسائل للضغط على مصر للالتزام بمعاهدتها مع إسرائيل وبالتعاون الأمنى والعسكرى مع الولايات المتحدة. فأمريكا لها سجل طويل فى التخلى عن حقوق المرأة والأقليات متى حققت مصالحها الحيوية. ثم إن المرشحين الجمهورى والديمقراطى تنقصهما المصداقية عند الحديث عن الأقليات والمرأة. فـ«رومنى» يقف اليوم على رأس حزب صار يستعدى الأقليات العرقية والإثنية بل ويدير حملاته الانتخابية منذ عقود عبر تأجيج تذمر البيض وإقناعهم بأن الحزب الديمقراطى قد ذهب بعيدا نحو دعم الأقليات على حسابهم. وقد وصل الحزب الجمهورى إلى أعلى مراحل انتهاك حقوق الأقليات عبر الحملة الشرسة التى تستهدف حرمان قطاعات واسعة منهم من التصويت. وسجل الحزب الجمهورى تجاه المرأة، الذى صار الفضيحة الأهم للحزب هذا العام، ليس أفضل من سجله تجاه الأقليات. أما «أوباما» المنتمى للحزب الديمقراطى، حزب الأقليات تقليدياً، فإن سجله فى الحكم لم يرض ذوى الأصول اللاتينية خصوصاً فى قضية الهجرة، وهو لم يقدم شيئاً ملموساً للسود بشهادة قياداتهم، فضلا عن سجله البائس بشأن الحريات المدنية. بل لعل المدهش أن الفجوة الشاسعة بين الحزبين فى نسبة تأييد المرأة، والتى ظلت على مدى عقدين فى صالح الحزب الديمقراطى، قد انخفضت بشكل مذهل هذا العام بسبب تبنى «أوباما» سياسات اقتصادية لا تهتم بالعدل الاجتماعى واستمراره فى عسكرة السياسة الخارجية. ورغم بؤس الموقف من المرأة والأقليات داخل أمريكا، فالمتوقع استخدام القضيتين كأداة للسياسة الخارجية مثلهما مثل المعونات. لكن لأن الولايات المتحدة فقدت الكثير من أوراق نفوذها فى مصر فإن استخدام تلك الأوراق لن يكون الأخطر فى سياسة أمريكا الخارجية تجاهنا. فالأخطر مصدره شىء آخر تماماً اتفق عليه «رومنى» و«أوباما». فـ«أوباما» الذى تفاخر بأنه لا يستأذن باكستان لضرب مواقع داخلها، وحيّاه «رومنى» على استخدامه الطائرات بدون طيار، المسؤولة عن قتل الآلاف من المدنيين الأبرياء، يعلن صراحة هو ومنافسه أن أمريكا لن تتورع عن انتهاك سيادة الدول الأخرى دون استئذانها. وبالتالى فإن الخطر يأتى من الطابع الإمبراطورى للسياسة الأمريكية، لا مما قالاه عن مصر تحديداً فى المناظرة.



