أحمد الجمال يكتب : الكنيسة الوطنية المصرية
الشكر موصول لأسرة تحرير «المصرى اليوم» ولمن تحملوا ويتحملون الأعباء السياسية والأدبية والمادية لإصدارها، فقد باتت الحضن الذى يتسع لأطياف الرؤى السياسية والفكرية والثقافية المصرية، خاصة بعد أن تفشت ممارسات الإقصاء وقصف الأقلام ومصادرة الرأى فى الصحف المسماة بالقومية، وربما تأتى مناسبة للتفصيل فيما أسميه ممارسات الطواشية والخصيان من موالى حركة الإخوان وما شاكلها من حركات.
وما تفعله «المصرى اليوم» هو وجه طالما تمنيناه لدور الرأسمالية الوطنية المصرية، وأقصد به الوجه الحضارى والثقافى التنويرى، الذى إن توافرت له ظروف النمو والاتساع فإنه سيمثل جزءاً مهماً من أساسات المشروع الحضارى والثقافى التنويرى المصرى، الذى أذهب مع كثيرين إلى أنه بدأ مصرياً فى الثلث الأخير من القرن الثامن عشر، وقبل مجىء حملة بونابرت الفرنسية، وسيكون مداميك قوية فى حائط الصد الذى يواجه ثقافة التفتيت والتفكيك المتعاظمة الآن، والساعية إلى تدمير المركب الحضارى المصرى الذى بنته الأمة عبر مئات القرون والارتداد به إلى عناصره الأولى الدينية والطائفية والمذهبية والجهوية والفئوية.. هذا أولاً.
أما ثانياً.. فإننى أكتب هذه السطور عصر الإثنين ٢٩ أكتوبر ٢٠١٢ فيما تجرى عملية الاقتراع لانتخاب ثلاثة من المرشحين لموقع بابا الإسكندرية، بطريرك الكرازة المرقسية، تمهيداً للقرعة الهيكلية التى ستتم الأحد المقبل، وهو أمر شديد الأهمية ليس للمسيحيين الأرثوذكس فقط، إنما لمصر وللوطن العربى، وأيضاً للعالم بغير مبالغة، ذلك أن كرسى الإسكندرية هو أحد الكراسى الخمسة الرسولية الرئيسية فى العالم، وكنيسة الإسكندرية صاحبة دور أكثر من رئيس فى تاريخ العقيدة المسيحية والفكر الكنسى، ناهيك عن دورها الوطنى الجامع على الصعد الثقافية والفكرية والاجتماعية وأيضاً الإبداعية، حيث لم تكن مصادفة تفرد مصر بأجمل الأصوات فى قراءة القرآن الكريم امتدادا لتراث التراتيل الكنسية الجميلة، ولم يكن غريباً التشابه الفذ بين الإنشاد الصوفى المصرى وموسيقاه وبين الإنشاد الكنسى وأنغامه.
إننا ننتظر جلوس البابا على كرسيه وفى أذهان الجميع أسئلة هائمة بدايتها تدور حول تكوينه وثقافته وتوجهاته العامة، وما إذا كان من مدرسة تعلى الشأن اللاهوتى التعبدى على بقية الشؤون، أم من مدرسة أخرى؟ وفى خلفية الجميع نموذجان قريبان هما نموذج قداسة البابا شنودة الثالث وقداسة البابا كيرلس السادس نيح الله روحيهما.
ولقد لعبت الكنيسة المصرية عبر رهبانها وأكليروسها دوراً مهماً فى مجريات الحياة المصرية خلال العقود الأربعة الفائتة، وهو دور لم يقتصر على الجانبين الروحى والاجتماعى، بل تعداه إلى الجانب السياسى لدرجة المواجهة بين قمة الكنيسة وقمة الدولة، كما حدث فى عهد «السادات» الذى كان بدوره قد أسس لما سماه دولة العلم والإيمان، وتقاليد القرية، وكبير العائلة، ثم استحضر ما سماه البعض «عفريت الجماعات» التى ترفع المصاحف على أسنة رماح الصراع الاجتماعى والاقتصادى والسياسى، ولم يستطع أن يصرفه حتى قتله هو نفسه! وكان ذلك بهدف التصدى للتيارات السياسية الأخرى القومية واليسارية والليبرالية المعارضة لـ«السادات»، وعربوناً - مقدم ثمن - لعلاقات وطيدة مع السعودية تحديداً، لأنه كان أحد براهين «السادات» العملية على القطيعة بين نظامه والنظام الذى سبقه، أى نظام «عبدالناصر».
وعلى أى حال، وأيا كانت النتيجة، فإن هناك جالساً جديداً على كرسى القديس مرقس الرسول، لذلك فالتهنئة لكل المصريين مسيحيين ومسلمين واردة وواجبة، والأمل فى استمرار عطاء الكنيسة الأرثوذكسية المصرية للحركة الوطنية المصرية وللجانب الروحى فى حياة الأمة، وفى العمل على تثبيت أركان التوازن والتماسك للوطن كله هو أمل كبير.
لقد أعطت مصر للبشرية عبر كنيستها الوطنية الكثير، ابتداءً من الاستشهاد للحفاظ على العقيدة، مروراً بتأسيس الرهبنة وليس انتهاءً بالمشاركة فى التصدى لاستمرار العدوان الصهيونى على أرض فلسطين، حيث كان موقف قداسة البابا شنودة الثالث مميزاً ولا ينكره إلا جاحد.
a_algammal@yahoo.co.uk



