عبدالرحمن فهمى يكتب : قصة أشهر أزمة صحفية منذ نصف قرن
التاريخ أعاد نفسه مع جريدة «الجمهورية»، بالذات، مع الفارق طبعاً.. فكما حدث هذا الأسبوع، حينما نشرت الجريدة خبراً غير صحيح عن المشير طنطاوى والفريق عنان بمانشيتات عريضة ضخمة، مما أثار الرأى العام ورجال القوات المسلحة، ودعا السيد رئيس الجمهورية إلى حضور إحدى مناورات الجيش فى اليوم نفسه، وألقى خطاباً عقب المناورة يؤكد فيه كذب الخبر وإنه ليس له أى أساس من الصحة، وأعلن أن الشعب المصرى لا ينسى مواقف كبار رجال الجيش فى أحلك أيام هذا البلد، ثم قرر على الهواء، قرر تغيير المسؤول عن الجريدة فوراً. تماماً.. تماماً كما حدث عام ١٩٦٢ أو ١٩٦٣، غير متذكر بالضبط، اتخذ جمال عبدالناصر بمجرد صدور الجريدة القرار نفسه، وهو تغيير المسؤول عن التحرير فوراً، كما فعل الرئيس «مرسى» بعد نصف قرن من الزمان. ما الحكاية؟ ■ ■ ■ كان جمال عبدالناصر يمر بظروف سيئة للغاية، حرب اليمن، ونزيف فى اقتصاد مصر، وشهداء من الجيش كل ساعة، وخسائر حربية واجتماعية ونفسية بلا حدود. فى الوقت نفسه كان بناء السد العالى يتعثر من حيث التمويل، ووقع حادث مؤلم ومؤسف، انهار جبل على حافة البحيرة الضخمة أثناء تعميقها، فوقع الطوب والتراب على ٢٦٠ عاملاً داخل الحفرة فماتوا جميعاً، مما أثر فى نفسية الرئيس «عبدالناصر» تأثيراً كبيراً، وأمر يومها بعدم نشر هذا الخبر، وكانت كل الصحف أيامها مؤممة، وتمت معالجة الأمر مع أسر القتلى مادياً بعيداً عن أى ضجة أو إعلان. فقد كان «عبدالناصر» يخشى من تشبيه هذا الحادث بما وقع أيضاً أثناء حفر قناة السويس! أيام السخرة! فى هذه الظروف السيئة التى تحيط بـ«عبدالناصر» كان يفضل أن يجتمع بكبار الصحفيين والكتاب والسياسيين والمفكرين يتبادل معهم الرأى. فى هذا الاجتماع فتح «عبدالناصر» قلبه وعقله على الآخر، وأعطى العنان للسانه ليقول كل المخزون فى نفسه، قال كلاماً فى منتهى الأهمية والخطورة، وأراد أن يستمع لكل الموجودين. فى نهاية الاجتماع طلب «عبدالناصر» من الجميع اعتبار هذه الجلسة سرية.. حتى لا يشمت فينا أحد. وحدث فى بداية هذا الاجتماع أن أمسك بعض إخواننا رؤساء التحرير بورقة وقلم، حينما بدأ «عبدالناصر» يتكلم، فقال لهم: لا.. لا.. أرجوكم هذا الكلام ليس للنشر. قال «عبدالناصر» كلاماً خطيراً، مثلاً: هاجم أنور السادات بعنف باعتباره أنه هو الذى ورطه فى حرب اليمن.. مثلاً. ■ ■ ■ أعود إلى جريدة «الجمهورية» فنجد أن حلمى سلام، رئيس مجلس الإدارة، رئيس التحرير، لم يحضر هذا الاجتماع، وقيلت أسباب كثيرة، منها أن السكرتارية لم تخطره بموعد الاجتماع، المهم أن حلمى سلام لم يحضر الاجتماع وعرف من بعض زملائه كل ما حدث من كلام مهم وخطير، فكتب كل ذلك فى صفحة كاملة من الجريدة بعد مانشيتات ساخنة جداً فى الصفحة الأولى زادت من توزيع الجريدة. من عادة «عبدالناصر» أيضاً أن يطلع على الصحف الصباحية «على الماشى» دون التفاصيل بمجرد استيقاظه فى الصباح، ففوجئ بما حدث فى الجمهورية، فاتصل تليفونياً بمكتبه بسراى القبة لإصدار قرار عاجل بإقالة حلمى سلام من دار التحرير على أن يتولى المرحوم مصطفى بهجت بدوى المسؤولية فوراً. واتصل المرحوم محمد أحمد بناء على أمر من «عبدالناصر» بمصطفى بهجت بدوى يخطره بالقرار ويطلب منه منع حلمى سلام من دخول الدار، فاتصل مصطفى بهجت بدوى بـ«سلام» يخطره بآخر القرارات. هرول حلمى سلام إلى قصر القبة، وكان صديقاً شخصياً لـ«عبدالناصر» من قبل الثورة ليقسم له أنه لم يعلم بالاجتماع ولا بمنع النشر، فكان رد «عبدالناصر»: «حتى لو لم أكن قد أصدرت تعليماتى بعدم النشر كان يجب على رؤساء التحرير من أنفسهم ألا ينشروا «غسيلنا على الملأ!»، وهكذا أقال رئيس الجمهورية رئيس تحرير «الجمهورية»، وبعد نصف قرن يقيل رئيس الجمهورية أيضاً رئيس تحرير «الجمهورية».. التاريخ يعيد نفسه دائماً.



