حلمى النمنم يكتب :وماذا عن الفساد الجديد؟
ينشط جهاز الكسب غير المشروع الآن فى ملاحقة ومطاردة عدد من رموز الفساد أو المتهمين به، وبدأ هذا النشاط فى أعقاب ١١ فبراير ٢٠١١، ولما تولى الرئيس مرسى المسؤولية أعلن أكثر من مرة أنه سوف يلاحق الفاسدين.. ولعل هذا يفسر لنا سرعة الجهاز فى الشهر الأخير.
وحتى الآن فإن معظم الأسماء المتداولة أشار إليها عدد من الصحف فى السنوات الأخيرة باعتبارها من رموز الفساد، ومن ثم كان الإمساك بها متوقعاً، وربما جاء متأخراً.
وهناك من يرى أن الحملات على هذه الرموز هدفها التشهير بأكثر مما هو التطهير، وربما محاولة الحصول منهم على أموال من تلك التى تراكمت لديهم، للحد من عجز الموازنة، ولو صح ذلك فإن المعنى يكون مخيفاً ومقلقاً حين يصدر من الدولة.. وهناك من لا يتردد فى القول بأنها حملات انتقامية من أسماء بعينها والدليل أنها «انتقائية»، حيث تركت أسماء عديدة ربما تكون أكثر وأشد فساداً، وبعضهم ليس بعيداً عن دائرة الحكم الحالى.
عهدنا بالرئاسة أن كل رئيس جديد يفتح ملفات من سبقه، خاصة تلك التى يرى أنها ملفات فساد، الرئيس مبارك بادر فى بداياته بفتح ملفات المقربين من سلفه، وبدأ بشقيقه طلعت السادات وأدخله السجن، وكذلك رشاد عثمان، وتوفيق عبدالحى، وفى كل فترة كان مبارك يسمح بكشف قضية فساد ليبدو أمام الجمهور أنه يحارب الفساد والمفسدين، قبل مبارك فعل السادات الشىء نفسه مع عبدالناصر فقد بادر بفتح ملفات المعتقلين والتعذيب، وأثار مشكلة التنصت على التليفونات، وبعد ذلك تحدث عثمان أحمد عثمان عن الفساد فى زمن عبدالناصر، وفيلات قام ببنائها للمقربين سنوات الستينيات، ونعرف الآن أن ذلك كله كان للتغطية على فساد آخر يجرى، ويتم على أرض الواقع.
ولابد من القول بأن المصريين ضجوا من الفساد فى السنوات الأخيرة، والحرب على الفساد صارت مطلباً شعبياً، فى عام ٢٠٠٤ كتبت أن فساد وزير مثل إبراهيم سليمان يكفى لإسقاط دولة بأكملها وليس حكومة.. وأياً كانت الأسباب والدوافع الآن فلابد من محاسبة من أفسدوا أو امتصوا أموال هذا الشعب، وفى الأدبيات المصرية فإن فساد الذمة واليد يعد أعلى درجات الفساد.. لكن إلى الآن أرى أننا ننشط فى محاربة «بعض» رموز الفساد القديم أو السابق، لكن ماذا عن الفساد الجديد والمفسدين الجدد؟ الفساد لم يسقط مع مبارك والطهارة لم تحل مع الرئيس مرسى.
جرت العادة أن لكل عصر فاسديه ومفسديه، وغالباً يولد هؤلاء ويتكاثرون وقت الانشغال بالفساد السابق أو القديم.. يبدأ الفساد صغيراً ثم يكبر ويتوحش ليلتهم كل ما حوله ومن حوله، ويتعمد الفاسدون أن يوسعوا دائرتهم من باب تلويث الجميع، حتى لا يمسك أحد بتلابيبهم أو يعيرهم- على الأقل- بفسادهم.
بعض الشواهد تشير إلى أن الفساد مازال قائماً ويمارس الآن، تأمل احتجاجات سائقى سيارات السيرفيس هم يشكون من أن المخالفات تضاعفت، وصدرت عن أيام لم يكونوا يعملون بها، وعلى خطوط وطرق ليس مسموحاً لهم بالسير عليها، ولم نلتفت نحن إلى أن حدوث ذلك يعنى أن الفساد الإدارى والبيروقراطى قد ازداد، وهو كذلك بالفعل، وما يسمى بالفساد الصغير يزداد وينتشر، أما الفساد الكبير فلا يبدو فى الصورة إلا بعد فترة، ونتمنى ألا يكون هناك فساد كبير الآن.. وأيا كان الأمر، أرى الأجهزة الرسمية تتعامل مع الفساد السابق والقديم، ولا تبدى اهتماماً بالوضع الحالى، خاصة أن لدينا وزراء تربوا سياسياً وتنفيذياً فى ظل هيمنة الفساد السابق، ولم يضبط أحدهم متلبساً برفضه أو مقاومته.. والأجهزة الرسمية تنشط فى مواجهة بعض رموز الفساد القديم، لكننا لم ننشط كذلك لمواجهة آليات الفساد والعوامل التى تمكنه من النمو والتسرطن فى جسد الإدارة المصرية. القوانين. واللوائح التى سمحت بظهور الفساد لاتزال قائمة وتعمل، مناخ الفساد والمفسدين لايزال قائماً، بل هو فى ازدياد وتوسع.
من أفسد أو تربح لابد أن يحاسب ويحاكم بالقانون وبالقسطاس، لكن المهم كيف نمنع الفساد، ونسد ثغراته التى ينفذ منها؟ وهذا ما لم نفعله إلى اليوم، لذا لا أستبعد وقوع حالات فساد كبير فى الفترة الحالية، وأقطع بأن الفساد الصغير صار أكثر توغلاً وتوحشاً الآن، فى ظل ضعف الدولة، وانهيار احترام القانون والتعامل به.



