مروى مزيد يكتب : الدستور: ليكن مختصراً مفيداً
مازالوا يكتبون الدستور. ويتناقشون الآن حول علاقة المادة ٢ بالمادة ٢٢١ التى «تفصِّل وتشرح» المادة ٢! أما أنا فأعيد بعض ما كتبته فى مارس ٢٠١١ بعنوان «الدستور: الفرحة الحذرة»، الذى تناول بعض «خصائص الدستور» التى تمنيت أن يكون عليها الدستور المصرى، أيا كان من سيوكل له القيام بوضعه، «وهو أن يكون قصير المواد».
فلنعلم مثلا أن الدستور الأمريكى بعد الثورة الأمريكية فى ١٧٧٦ كُتب من قبل جمعية تمثل وفود وأطياف «الشعب الناشئ»، واحتوى فى بدايته على ٧ مواد أساسية، تلتها ١٠ تعديلات لاحقة، كلها تتعلق بحريات المواطن. والآن وبعد أكثر من ٢٠٠ عام وبعد عدد من التعديلات، فإن مجمل الدستور الأمريكى لم يتعد ٢٧ بندا فقط! ومازال أهم ما فيه هو المواد السبع التى تنظم علاقة السلطات التشريعية والتنفيذية والقضائية والتعديلات العشرة الأولى المتعلقة بحريات المواطن وحقوقه. ما عدا ذلك فهى قوانين تحفظ فى مجلدات ويتعامل معها المحامون والقانونيون والبرلمانيون.
إذن، الدستور يجب أن يكون سهلاً وبسيطاً، يستوعبه بل و«يحفظه» المواطن عن ظهر قلب، ليعلم حقوقه فيما يتعلق بـ«حرية التعبير، حرية التجمع، حرية المثول أمام القضاء فى حالة الاتهام.. وغير ذلك من الحريات». أما أن يكون فى الدستور الذى نحن بصدد إنتاجه مادة تحمل الرقم ٢٢١ فهذه كارثة. كم مواطن عادى يفترض أن يحفظ ٢٢١ مادة فى دستور بلاده.. فى حين ينبغى له ذلك؟!
يبدو أيضا من تجارب الدول الأخرى أنه من الأفضل إما أن يكون الدستور «قصيرا مقتضبا»، ليست به تفاصيل تُقيّد و«تلغفن» المواطن أو أنه لا يُكتب على الإطلاق، كما هو الحال فى بريطانيا مثلا. فمن المثير فعلا أن إسرائيل لم تكتب دستورا، متبعة بذلك نسق المملكة المتحدة التى اعتمدت على «المبادئ العامة» أو «القوانين الأساسية» أو «سوابق الحكم» ذات الصلة بمبادئ حكم القانون، سيادة البرلمان، وحرية الأفراد، عوضا عن الدستور المكتوب. فبالرغم من أن إسرائيل حاولت أن تكتب دستورا بعد إعلان قيام الدولة عام ١٩٤٨، فإن صراعا سياسيا قد نشأ، حيث عارض اليهود المتدينون فكرة وجود وثيقة تعتبرها الحكومة «أعلى سلطة» من النصوص الدينية، مثل التناخ أو التلمود. وبالتالى وبعد أربعة اجتماعات فقط لـ«المجلس التأسيسى» المنوط به كتابة الدستور، فشل هذا المجلس فى مهمة الكتابة وتبنى «قانونا انتقاليا» ليؤسس «الكنيست الأول» على غرار البرلمان البريطانى ولم يكتب دستورا!
لماذا أجلب مثال إسرائيل هذا؟ لأنه ربما مهم لنا أن ندرك أنه فى حالة الصراع على هوية الدولة الإسرائيلية الناشئة، إما أن تكون «دولة ديمقراطية حديثة» أو «دولة أصولية دينية»، اختلف الإسرائيليون، لكنهم حين أدركوا عجزهم عن الاتفاق أعرضوا عن كتابة أى وثيقة دستورية على الإطلاق، من شأنها إما التأصيل للدولة الدينية، أو التأصيل لدولة ناشئة تمحى الهوية اليهودية كليا.
ربما بإعراضهم عن صياغة «دستور مكتوب» كان هدفهم أن «يمحوا» عن أنفسهم «تهمة» الدولة الدينية المقترنة بالعصور الوسطى فى أوروبا. كما كان هدفهم «إقران» أنفسهم ببريطانيا العظمى التى ليس لها دستور مكتوب، ولكنها تقوم على مجموعة مبادئ حقوقية عامة، مقبولة دوليا.
فى الأخير، لا أدعو إطلاقاً إلى الإقلاع عن كتابة دستور مصر، كما كان الحال فى إسرائيل! ولكننى أوجه النظر إلى ضرورة التأمل فى مدى أهمية وخطورة «التوثيق» لخصائص الدولة المستقبلية فى دستور «مكتوب» يخرج «دون المستوى». فكتابة خصائص أى دولة فى الدستور «تُنتج» هذه الدولة «إنتاجا»، ذلك لأن فعل الكتابة يؤصل للمؤسسات السياسية، التى تؤصل بدورها لقواعد توزيع السلطة، والتى بدورها تنتج الشروط التى تقوم عليها الحياة الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، لذلك، لعلنا نركز فى دستور بلادنا على المختصر المفيد الجامع ليس إلا!
marwa@u.washington.edu



