د. صفوت البياضى يكتب : جريمة فى حق الوطن
لم تعرف مصر طوال تاريخها «الفرز أو الفصل» بين مواطنيها، إذ عاش كل المصريين عبر تاريخها الطويل، وفى كل أرجائها، فى جوار لا يقبل العزل أو الفصل، حتى فى أصغر قراها وعزبها عاش «المسيحى والمسلم» فى مبان مشتركة، فهما جاران، فى المسكن وفى العمل وفى الحقل، وقبل كل هذا تشاركوا فى الفصول المدرسية والمناسبات الاجتماعية، وفى السراء والضراء. دافعوا عن حدود مصر وترابها، فاختلطت الدماء، بل والأشلاء عندما تناثرت على ترابها، وخير شاهد وأوضح دليل يمكن أن يذكر ويرد، هو «شعب سيناء الغالية»، وفى مدينة رفح على وجه الخصوص، فالمسلم والمسيحى ضحيا بحياتهما معاً، لكى يعيش سكان المنطقة الحدودية فى أمان وسلام، ولولا هذا التلاحم والتفانى ما هنأ ساكن فيكِ يا« رفح»، وإن نسيت فلابد حولك من يذكرك. هذا من جانب، أما الجانب الآخر فهو «الملكية التاريخية والقانونية» التى يتمتع بها كل مواطن على أرضه فى مصر، وأى اعتداء لأى كائن من كان على شريك له فى الأرض والتاريخ والمصير يعد عدواناً على النظام العام، بل وجريمة لا تسقط عقوبتها بالتقادم. إن ما حدث فى مدينة رفح لا يقبل الاعتذار ولا مجال معه للتفسير أو التأويل بأى مبرر ومن أى مصدر، بل ويشكل سابقة يمكن تكرارها فى مواقع أخرى مالم تتصدى الجهات المسؤولة بحزم وبيد من حديد، وأعنى بالجهات المسؤولة «السياسية، والأمنية، والاجتماعية»، فالسيد المحافظ هو المسئول الأول عن الإقليم، ويمثل رئيس الجمهورية فى محافظته، ويعد تصريحه بإيواء المهجرين خطيئة أخرى، فهذا معناه قبول بالأمر الخاطئ، ورضوخاً للانفلات الأمنى والسيطرة العنصرية، مما يشكل جريمة تهديد الأمن العام، وتقويض السلام الاجتماعى، تلك الجرائم التى تعد من جرائم الخيانة العظمى. لا يا سيادة محافظ شمال سيناء، لا يحل لأى مسؤول أن يقبل طرد مواطن آمن ومسالم من موطنه أو مكان إقامته. إنكم أعلى سلطة فى الإقليم، والشرطة وكل الأجهزة تأتمر بأمرك، ولا يمكن القول بأن الأجهزة الأمنية غير كافية، فهذا معناه أن يعيث المجرمون فى الأرض فساداً، وهنا يتجاوز التقصير المحلى مداه ليشمل سائر الأراضى المصرية. أما وأن يقال إن السيد المحافظ قام بواجبه إذ آوى المهجرين قسراً فى مواقع بديلة، وأعمال فى مواقع أخرى، وهذا أيضاً لا يعفى سيادتكم من المسؤولية بكل أبعادها، الأمر الذى يشيع القلق والاضطراب فى سائر بقاع الأرض، إذ سريعاً ما تمتد نيران هذا العدوان إلى مزيد من الأوطان، ومن المتوقع أن تحاك الشكاوى الكيدية طالما فتح باب العدوان الممنهج بهذه الكيفية، وتكون محافظتكم هى التى تمتلك حق الاختراع، باعتبارها أول من قام بهذا العمل أملاً فى امتداده، مع تعدد الأسباب ويبقى القهر واحد. سيادة المحافظ- ولأن الخبر قد شاع، وكنت أتمنى ألا ينتشر، إلا أن الاتصالات متاحة بكل سبلها مع استعمال أبسط الوسائل. إنها مجرد ملاحظات ومازال منها الكثير، وأنتظر من كل مسؤول أن يؤدى واجبه بقدر الموقع والمسؤولية الموكلين إليه، وقد قبلها طوعاً لا كرهاً، ومن حقه، بل ومن واجبه، أن يحمل المسؤولية، ولا إكراه عليه فى حملها، صحيح أنه مكلف من ولى الأمر، ولكن (لا يكلف المرء إلا وسعه). * رئيس الطائفة الإنجيلية بمصر



