عبداللطيف المناوى يكتب : هل يستطيع أن يفعلها؟
تعددت الاجتهادات، خلال الأشهر الماضية، حول من يدير مصر ومن هو صاحب القرار فيها، وفى هذا المكان، منذ عدة أسابيع، تساءلت فى صيغة التأكيد: هل تُحكم مصر من قصر الرئاسة أم من فوق جبل المقطم، حيث المقر الرئيسى للجماعة؟.. ومن الواضح خلال تلك الفترة أن الإجابة كانت تميل بحدة نحو المقطم، على الرغم من كل المحاولات التى كانت تجرى من أجل خلق صورة زعيم شعبى يستطيع، بوهجه الزعامى، أن يخفى الحقيقة، كل المحاولات التى اتسمت بالتخطيط والإصرار تكسرت على صخور الحقيقة، التى ظهرت دائما فى الإجابة عن السؤال: من هو صاحب الكلمة فى مصر: الجماعة الحاكمة أم مرشحها الذى أصبح رئيساً؟ مع التذكير بأن من بين أعضائها من يرى نفسه أحق بالمنصب أو الغنيمة التى طارت منه وحطت فى يد من فاز بها.
من الواضح تماما، ومن خلال كل المعطيات التى أمامنا حتى الآن، أن هذه العلاقة المتوقعة بين المرشح الفائز وجماعته، التى أساسها مبدأ السمع والطاعة، هى التى تتحكم فى قراراته وتحركاته، ونستطيع أن نرى هذا واضحا فى العديد من التحركات والقرارات التى بدا أنها تصب فقط فى إطار هدف الجماعة فى السيطرة والاحتكار والإقصاء، وحسبما يقال عن الرجل، نقلاً عن كل من التقاه، إنه أفضل كثيرا من كل قراراته، وإن قدرته على التفاهم والحوار أكبر مما يبدو منعكساً من خلال تحركاته والمواقف المحسوبة عليه.
ما شهدته مصر، خلال الساعات الأخيرة منذ الجمعة الماضية، هو خير دليل على ما أقول، تلك الجمعة التى اتفق فيها، على غير العادة، عدد من القوى السياسية المشتتة المتناحرة على أن تحاسب الرئيس على التزامات المائة يوم، وأيضا تطالب بإسقاط حكم المرشد وتسلط الجماعة ووصايتها، وأتى الحكم فى القضية المسماة «موقعة الجمل» ببراءة جميع المتهمين من الدائرة نفسها التى حكمت قبلها بأيام على أحمد عز بالسجن سبعة أعوام وغرامة تسعة عشر مليار جنيه.. كان هذا الحكم بمثابة حبل الإنقاذ للجماعة التى رأت فيه مناسبة للخروج من المواجهة مع القوى الأخرى، فدعت الجماعة، وهى «الحاكمة»، أتباعها للتظاهر فى كل ميادين مصر، وفى خطوة للقفز على مظاهرات الجمعة، دعت إلى التظاهر فى التحرير ضد الحكم، ظناً منها أنها بذلك تختطف المظاهرات المقررة ضدها فى اتجاه آخر.
ليس هذا فقط، بل كانت فرصة للتخلص من النائب العام، الذى تعاديه على طول الخط، وبالتالى فإن إلقاءه فى هذا التوقيت يحقق عدة أهداف: تحويل الأنظار عن الموضوع الرئيسى للمظاهرات، إشغال الرأى العام، الركوب مرة أخرى على موجة الانتقام والقصاص، وهنا يثور السؤال: أين ساكن قصر الرئاسة مما حدث ويحدث؟.. لا إجابة.
ما حدث يوم الجمعة من اعتداء من متظاهرى الإخوان على معارضى الإخوان يثير قدراً من الغضب والتهكم فى آن واحد، فهذه، حسبما أعلم، هى المرة الأولى التى تدعو فيها جماعة حاكمة، من خلال أدواتها، إلى التظاهر ضد إحدى مؤسسات الدولة وضد حكم قضائى، هذا ظاهرياً، فى حين أن الغرض الرئيسى، كما حدث واقعياً، هو الاعتداء وتأديب كل من تسول له نفسه الاعتراض على حكم الجماعة ومرشدها، وما حدث عقب صلاة الجمعة وخلال الساعات التالية يؤكد هذا المعنى.
أما الغياب الكامل للأمن، فعلى الرغم من تفهم الظرف العام المحيط فإنه كان أمراً غريباً. ونأتى إلى المؤامرة التى أحيكت فى بلاط الرئاسة بإدارة من خارجها لذبح النائب العام، وهو موقف أظنه سيسجل فى التاريخ المصرى إلى جانب الاعتداء على شيخ القضاة ومذبحة القضاء فيما بعد، والغريب أن هذا الاعتداء الصارخ على القضاء كان يدار على أيدى من أفترض فيهم حماية الحصن الباقى للناس أو البقية الباقية منه.
كان أيضا السلوك الأغرب المتمثل فى تهديدات قيادات الجماعة الذين حذروا النائب العام من الاقتراب من مكتبه وإلا سيفقد كرامته (!!) أتعجب كثيرا من أن هذه التهديدات تأتى من قيادات جماعة تمكنت من حكم البلاد، وبالتالى هؤلاء هم من يحكمون، ولم أستطع أن أفرق بينها وبين تهديدات خناقات الشوارع. ونعود إلى ما طرحته فى بداية المقال: أين القابع فى قصر الرئاسة مما يحدث؟ هل هو من يقرر أم أن هناك من يورطه فيما يقرر؟ أم هو راض بما يجرى وبالدور الذى اختارته له الجماعة ووضعته فيه؟ أم قد يفاجئ الجميع ويفعلها معلناً استقلاله؟!
menawy@gmail.com



