د. منار الشوربجى تكتب : شهادة الخواجة
للكثير من صحفنا المصرية المستقلة والقومية قدرها ومكانتها النابعة من ثقة المصريين فى مصداقيتها. لذلك أفهم حرص صحفنا على التنافس على ثقة القارئ المصرى. لكن ما لا أفهمه على الإطلاق هو اهتمام صحف لها مكانتها بالحصول على شهادة من خواجة ببرنيطة! خذ عندك صحيفة نشرت مؤخرا على صفحتها الأولى ثناء الواشنطن بوست الأمريكية عليها باعتبارها صاحبة «الرد المتحضر» على الإساءة للرسول صلى الله عليه وسلم. وكأن شهادة الخواجات هى التى ستبعث على ثقة القارئ المصرى! أما إذا كان الخواجة صاحب الشهادة هو توماس فريدمان، كما فعلت صحيفة أخرى لها قدرها بنفسها، فتلك مأساة. فالصحيفة نشرت بصفحتها الأولى صورة كبيرة لفريدمان ومعها قوله بأنها «أفضل جريدة فى مصر». ثم نشرت بالداخل ترجمة للنص الكامل لمقال فريدمان وصورة له برضه! ولا أظن أن الجريدة يشرفها أن يشهد لها فريدمان المعروف باختزاله لقضايانا المعقدة إلى حد الهزل. فهو الذى قال إن ما تسبب فى قيام الثورات العربية هو فوز أوباما، وجوجل، ومجاورتنا لإسرائيل الديمقراطية، وأولمبياد بكين، وعبد السلام فياض بأدائه المبهر!! أى والله كده! وفريدمان أيضا صاحب المقولة الشهيرة قبل الثورة بأن «أهم عقبة فى وجه الحرية فى العالم العربى هى الجدار الموجود داخل العقل العربى. وقد اصطدمت بهذا الجدار حين حاورت صحفيين مصريين وجدتهم لا يرون أى نفع من وراء احتلال العراق»، الذى أيده فريدمان كما أيد احتلال أفغانستان بل ومذبحة قانا وحصار غزة وغيرها. والاهتمام بشهادة السيد فريدمان أوقع الجريدة فى المحظور. فهى نشرت مقال فريدمان الذى يحتفى بها فيه، ناقلا عن ترجمة نشرها «معهد أبحاث وسائل إعلام الشرق الأوسط»، وهو مؤسسة أنشأها اثنان من الأمريكيين الإسرائيليين، أحدهما خدم فى المخابرات الإسرائيلية والثانية كانت من المحافظين الجدد الذين نصحوا نتنياهو فى ١٩٩٦ بوقف مفاوضات التسوية وغزو العراق. والمؤسسة تراقب صحف المنطقة وتترجم عنها بشكل انتقائى يركز على ما من شأنه التشهير بالعرب والمسلمين، وهى تترجم أيضا مقالات رأى محترمة تمارس النقد الذاتى ليس احتفاء بها وإنما لاستغلالها فى إبراز نقائص مجتمعاتنا. وصحافتنا لا تحتفى فقط بشهادة الخواجات وإنما تنقل عنهم دون فرز. فقد فوجئت مؤخرا بصحيفة قومية كبرى تنشر فى صدر صفحتها الأولى نقلا عن صحيفة ديلى سكويب، أن كيسنجر يدق طبول الحرب وينصح الجيش الأمريكى بضرورة احتلال سبع دول فى المنطقة. والواضح أن جريدتنا العريقة لا تدرى أن الديلى سكويب جريدة بريطانية إلكترونية ساخرة تأتى شهرتها من سخريتها من المسؤولين الكبار عبر تخيلها لمواقف وهمية مضحكة يتبناها أولئك المسؤولون. الأخطر من ذلك أن صحيفة أخرى نشرت تقريرا مطولا على حلقتين عن فيلم وثائقى أمريكى عرضه «تليفزيون بليز» كما قالت، «يكشف بالوثائق مخططا إخوانيا لاختراق أوروبا وأمريكا وإعلان دولة الخلافة». وكم كنت أتمنى أن تسعى الصحيفة لمعرفة ماهية تليفزيون بليز هذا، فهو جزء من مؤسسة أنشأها جلين بيك، المذيع السابق فى محطة فوكس نيوز اليمينية، وأحد أكثر المتطرفين عنصرية تجاه العرب والمسلمين. وبيك جزء من حملة تروج لاعتبار الشريعة التهديد الأول لأمريكا وتزعم أن الإخوان اخترقوا مفاصل الدولة الأمريكية. والمسلمون الأمريكيون هم المستهدف الأول فى تلك الحملة القبيحة من أجل حرمانهم من كل الوظائف المهمة بوصفهم «أعداء الداخل». أما «الوثيقة» المزعومة فلم تهتم بها أى مؤسسة إعلامية محترمة فى أمريكا أو خارجها. فيا أسيادنا الذين فى الصحافة، ارحمونا، تحققوا عند النقل عن الخواجات، الذين لا يهمنا رأيهم فيكم بالمناسبة، فنحن نجلكم دون شهادة منهم.



