« ناصر قنديل يكتب : الربيع العربى» بدماء سورية
من واجبات الفكر النقدى العربى أن يتم نقاش التغيير الجارى مؤخرا فى البلاد العربية بتلمس إشكاليات جدية يضعها أمام العقل خارج ابتزاز مفردات الدعوات البلهاء للعبارات الرنانة والانحياز الأعمى. لم نكتب نقدياً عن تجربة جمال عبدالناصر ولا تجربة الثورة الفلسطينية ولا قبلهما الثورة العربية الكبرى، إلا بعدما صارت ورجالاتها جزءاً من تاريخ عتيق. ربما لأننا قبائل لا تعرف إلا لغة السيف احتفالاً أو السيف قتالاً، وتفيق بعد فوات الأوان. بعد الخيبات نفتح قبور عظمائنا ونحاكمهم وننهش رفاتهم لأننا لم نجرؤ أن نواجه هناتهم أيام كنا نتقن فنون المديح والهجاء من شعر المتنبى فى سيف الدولة وكافور. أولى المعضلات أننا نكتشف التهوين فى رؤية النخب العربية ونكتشف أن العلم أداة طيّعة للتكيّف مع الحساب السياسى المصنّع سلفا لحساب بوصلة لم يقررها العقل والإرادة معاً. نكتشف أنه ليست لدينا نخبة مستقلة عن مصادر صناعة المال والسلطة سواء ذات اليمين أو ذات اليسار، فى زمن الميديا التى لا حياة لها دون مال سياسى، وحيث الثقافة جزء من صناعة اقتصاديات الريع الحلال أو التحليل. التبرير العقلى أو الفقهى يتناوبان وظيفة صناعية، مهمتها تقديم المساومات المنطقية لتبرير الظواهر بدلا من شرحها أو تشريحها عند الضرورة، فتصدر بصيغة الفتوى أو المعادلة النظرية لتسويغ وتشريع المواقف وتسكين العقول. ثانية المعضلات.. التجاهل، فليس مهما، مثلاً، أن تسقط نخب كاملة من خطابها الدينى أو العلمانى، وكلاهما برتبة المقدس، أولوية موقع بلادنا فى التوازنات الإقليمية والدولية، خصوصا مستقبل فلسطين، وتعتبر أى تذكير لها بسلم الأولويات المعلن من قبلها تشويشاً على إنجازات تاريخية. ثالثة هذه المعضلات الأحادية، أنك لا تستطيع أن تقول «صحيح ولكن»، أو «نعم ولكن»، أو «لا ولكن»، وإلا فأنت تتهرّب من الموقف الشجاع الواجب فى لحظة الجهاد أو النضال المستحقة، وكأن طوابير المتحدثين شهداء أحياء تمرّغت جباههم بتراب القدس عائدون من حرب التحرير. رابعة هذه المعضلات.. غياب القياس المقارن، وهو أبسط قواعد علم الجبر، الذى علّمنا إياه الخوارزمى قبل قرابة الألف عام، فهيهات أن نقع على جدول بحث يقارن الثورات العربية بالنهضة التى قادها محمد على باشا فى القرن التاسع عشر بالمعايير النهضوية الثقافية ومشروع الدولة المنتجة والعصرية، وتوحيد التراب القومى ومواجهة الاستعمار، ونقاط القوة والضعف لكليهما، أو تجربة عبدالناصر قياساً بالثورة العربية المعاصرة وما بينهما من أوجه شبه وخلاف، والـ«مع» والـ«ضد» بالعقل العارى من مشاعر التجييش والتأجيج، ومقارنة كليهما بالثورة العربية الكبرى فى العشرينيات. وبالرغم من كل شىء، فنحن لسنا أمام ثورات عربية منفصلة، بل أمام ثورة عربية معاصرة تصح مقارنتها بكل المشاريع القومية التغييرية، ومناقشة مساراتها وبرامجها واستحقاقاتها بأدوات العقل. الثورة العربية المعاصرة تتعثر فى سوريا، وربيعها يستسقى ما وفّره من دماء فى ساحات أخرى فى ساحتها لتكون الحرب الفاصلة فيها. عندما تخلت بعض العسكريات العربية عن القضية القومية والوطنية، فبالرغم من إنجازها الاقتصادى بيد أنها فى برنامج الديمقراطية تجاهلت استحقاقاتها السياسية، فهذا يعنى أنها تخلى ساحة الوطنى والقومى والديمقراطى معاً، وتتآكل منجزاتها لحساب الـ«نيوليبرالية» الصاعدة بمشروع الاستتباع، المنطقى والطبيعى أن تنهار بنسمة هواء أمام تحالف طبقة وسطى جديدة، حملت راية السياسى من الديمقراطية بمقايضته على حساب الوطنى والقومى، بابتسامة الدولى والإقليمى طالما برنامج الثورة لا يطال الوطنى والقومى، وأن تنتصر لها الأرياف وعشوائيات المدن وتتفرغ الطبقات العليا لجنى الثمار والمكاسب بإبعاد طفيليات الريع عن مغانم الحكم. حيث بقيت الطبقات الوسطى وعسكريتها تحمل عنوان الوطنى والقومى، كما هو الحال جزئياً فى ليبيا والعراق، وبصورة جلية فى سوريا تتقابل ثورتان: ثورة الليبرالية المتحالفة مع عشوائيات المدن فى مواجهة الطبقات الوسطى وعسكريتها، ويتقابل الحقان وكل منهما يشوبه باطل. يتقابل مشروع يلبس ثوب الحرية والديمقراطية ويرتضى عار الاستعمار مع مشروع يلبس ثوب المقاومة والعروبة، ويرتضى عار الاستبداد، فيقع المأزق التاريخى للأمة بين حقين يشوب كلاً منهما باطل. الأفضل بكثير - تاريخياً - أن يتحرر مشروع الاستقلال الوطنى من ربقة الاستبداد من أن تحرر الليبرالية بعقيدتيها الدينية والوضعية من ربقة الاستعمار. الأجدى، أن يتقبّل النظام فى دمشق مستلزمات التغيير الديمقراطى، من أن يتمكن قادة «الربيع العربى» - حليقو الذقون أو مطلقوها - من الانفلات من شروط الاستتباع الاقتصادى والسياسى والعسكرى. الغرب و«إسرائيل» يقرأون، ولذلك يدركون جيدا معنى ما يجرى وتأثيره على ما سيجرى، فلا يتأخرون ولا يساومون ولا يخجلون، فيحددون البوصلة: أين يجب ألا تتردد الحرب، وأين يجب أن تتوقف عن الحراك، وكيف، وأين، قف ممنوع المرور. * النفط سيد العقل العربى وثوراته أيضا! هل يستطيع ما تبقى من خندق ثقافى عربى أن يقف فى الحرب حيث يجب الوقوف، ويقدم النصيحة مثلما تقدم هيلارى كلينتون لبنى «إسرائيل» نصائحها حول الأولويات، فتقول لهذه الضفة المحاربة: نعم ولكن، ولتلك: لا ولكن؟! فلنتعلم اللغة، ونقول لهذه الضفة السورية نعم ولكن، ولتلك لا ولكن. هى حرب ولم تعد ثورة. حرب العقول متى؟! * كاتب عربى - بيروت



