صبرى غنيم يكتب : العدالة الغائبة فى مصر للطيران
لم تكتمل فرحة توفيق عاصى بعودته إلى رئاسة الشركة القابضة لمصر للطيران، حتى فوجئ بعد أربعة أيام من تسلم العمل بأنه مطلوب مع آخرين أمام محكمة الجنايات بتهمة إهدار المال العام، وأنا على يقين أن الله سبحانه وتعالى لن يتخلى عنهم. وهنا نأتى لسؤالنا.. كيف عاد «عاصى» إلى موقعه لأن طريقة عودته تمثل عدواناً على النظم والقواعد الإدارية، فلم يحدث فى تاريخ الإدارة أن يقال مسؤول من موقعه ثم يعود إليه إلاّ بحكم قضائى، ليصبح قرار عودته لغزاً، لأنه لا يدخل فى صلاحيات وزير الطيران ولا رئيس الحكومة.. هل عودته هى لمضايقة «شفيق» على اعتبار أنه أحد خصومه الأقوياء وقد حمله رفاقه فى مصر للطيران على الأكتاف فى أعقاب إضراب قطاع الملاحة الجوية ثم طالبوا بتعيينه وزيرا للطيران.. بصراحة توقعنا مجىء «عاصى» وزيرا بعد «الهيصة»، لكن هشام قنديل فاجأنا باختيار أحد أبناء مصر للطيران الذين كافحوا بشرف واختار سمير إمبابى ليصبح وزيرا للطيران، وكان اختياره عنوانا للنزاهة والكفاءة.. لأن إمبابى من الشخصيات النقية التى لا تحمل غلاً لأحد وليس بينه وبين أحد خصومة أو عداء.. وقرار مثل عودة «عاصى» لا يمكن لوزير الطيران أن يصدره من باب المجاملة أو الترضية على حساب كفاءة الطيار حسام كمال، الذى كان رئيسا للشركة القابضة لمصر للطيران ورئيسا لـ«إمبابى» نفسه قبل تعيينه وزيرا للطيران.. معنى الكلام أن هناك جهة سيادية عليا هى صاحبة قرار العودة بعد إعلان «عاصى» عن خصومته لشفيق، ولأننا فى زمن لا ندقق فى الأسباب فلم تطلع هذه الجهة على حيثيات قرار إقالة شفيق لعاصى واكتفت بالأقوال والادعاءات دون أن تتحرى من صحتها. الذى يؤسف له أن هذه الجهة طلبت من سمير إمبابى بصفته وزيرا للطيران أن يعتذر للطيار حسام كمال، على أنه غير مستحب لاستمراره فى العمل كرئيس لمصر للطيران.. وقد كانت المهمة شاقة على إنسان خلوق مثل إمبابى، لكن حكم الوظيفة فرض عليه هذا الموقف وهو يعلم أنه قرار صعب على شاب يتمتع بكفاءة عالية ولا يختلف عنه فى الخلق ولا فى طهارة اليد.. تفهم حسام الموقف وعلى الفور قدم استقالته لوزير الطيران، مع أن صدمته كانت عنيفة بسبب اكتشافه أن الذى سيتولى موقعه هو توفيق عاصى.. غادر مكتبه وفى داخله أكثر من سؤال.. أبرزها هل هذه هى العدالة التى نادى بها ثوار ٢٥ يناير، أن يطاح بشاب كفء لتصفية حسابات بين خصوم شفيق وبين القيادات التى رأت النور فى عهد شفيق. سبحان الله.. فقد كانت له حكمة فى ألا تكتمل فرحة «توفيق عاصى» بقرار إحالته إلى الجنايات وكأنه سبحانه وتعالى يطالبه بأن يعدل عن خطته، فإن كان يضمر شراً لأحد فيغسل صدره من أى غل ويتحصن بكتاب الله، ولتكن عودته عظة. لكن أن يتاجر ويزايد بخصومته مع أحمد شفيق على اعتبار أنه هو الذى أقاله من عمله وينسى عشرة السنين بينهما، فهذه ليست أصالة.. فقد كان عليه أن يتذكر تدليل شفيق له منذ أن كان طيارا مهمشا فى مصر للطيران.. ثم أخذ بيده ليحقق له حلم حياته بتعيينه رئيسا لشركة الأسواق الحرة.. وكلمة حق فإن «عاصى» أثبت كفاءة عالية عندما حولها من شركة خاسرة إلى شركة رابحة.. وقد كانت مكافأة «شفيق» له تعيينه رئيسا للشركة القابضة، وهى الشركة الأم لشركات مصر للطيران التسع.. إلى جانب عمله كمدير للعمليات فى طيران الرئاسة ولم يمنعه عمله كرئيس لمصر للطيران من قيادة طائرة الرئيس السابق حسنى مبارك فى رحلاته الخارجية. سياسة «شفيق» كانت تهدف إلى تسكين المواقع القيادية بالشباب من أبناء مصر للطيران، لذلك كان «يشوط» فى القيادات المترهلة التى كانت تعطى ظهرها للشباب، وعندنا مثل على إقالته لعاصى والذى أقيل لأسباب يعرفها «عاصى» نفسه.. لقد أشيع بعد عودة «عاصى» الغامضة أنه ينوى تصفية رجال «شفيق»، مع أن شفيق ليس له أخ أو ابن عم وأن هذه القيادات جميعها من أبناء مصر للطيران الأكفاء.. وكون أن سياسته كانت تصعيد الكفاءات من العاملين.. فوزير الطيران سمير إمبابى يشهد بذلك على اعتبار أنه كان أحدهم.. لذلك لا أتصور أن ينتهز «عاصى» فرصة الطعنات واللكمات التى تنهال على شفيق من خصومه ليحصل على قرار عودته مقابل أن ينهش فى سيرته.. فهذه ليست الأصالة التى نعرفها فى فلاح أصيل كتوفيق عاصى.



