د. محمود العلايلى يكتب : مطلوب رسام كاريكاتير
تعود الناس أن يعطوا لبعض الألفاظ معانى ومفاهيم معينة بحسب حادث شهير أو تغطية إعلامية لموضوع ما، مثل لفظ التطرف مثلا، فمنذ حوالى عقدين لا يذكر هذا الوصف إلا ويكون المفهوم عنه صراحة التطرف الدينى، وهذا ليس المعنى المحدد للكلمة لأن معناها فى المعجم الخروج عن حد الاعتدال، ولذا يجب أن يليها نوع التطرف المقصود، خاصة فى وقتنا الحاضر، حيث تعددت أنواعه مثل التطرف السياسى والاجتماعى والرياضى والفكرى، وما يخبئه الغيب!!. لا نستطيع أن ننكر وجود هذا الوضع بسبب حالة الكبت الغامضة التى عشنا فيها عقوداً، مما تسبب فى إحداث حالة سيولة عامة عند الانتقال من وضع سياسى واجتماعى إلى وضع آخر استتبع ذلك بالضرورة استنفار كل حالات التطرف السابق ذكرها مصحوبة بـ«الشوفينية الحادة» (التعصب لفكرة أو لمبدأ دون أسباب موضوعية)، مما أدى إلى عرض كل الأفكار والآراء بهذه الطرق التى نشعر معها بأن الكل يعبر بشكل كاريكاتورى! فنجد تضخيماً عظيماً فى المميزات الذاتية، مع مبالغة شنيعة فى نواقص الآخر، حتى إننا نجد أنفسنا أمام صورة كاريكاتورية فاشلة لأنها تخلو من الأساس الفنى، فالكل يريد أن يعبر عن رأيه بطريقة مبالغ فيها ليس فقط لإيصال فكرته بأسرع السبل، لكن أيضاً لتحقيقها مما يضر بالفكرة على المستوى النظرى بداية، وقد لا يصل بها لمستوى التحقق من كل بد. إن ما نراه - مثلا - من آراء سياسية على طرفى النقيض من السعى للقرض أو رفضه وما نشاهده من ممارسات الألتراس دون الدخول فى الأسباب، والفتاوى مع ردود الأفعال غير المفهومة، مثل التى قامت بسبب الفيلم الشهير - ليس نهاية المطاف من قطار التطرف! لأن هناك من لايزال ينادى بهدم الدولة، وهناك المصريون القوميون الذين يكرهون الغرباء وأفكارهم، خاصة من شبه الجزيرة العربية، وعلى طرف آخر مازلنا لم نسمع كل أفكار السلفية الجهادية، ولم نر أعمالهم ونتائجها! لقد شرح لنا أرسطو، منذ آلاف السنين، مبدأ الوسطية بأن بين طرفى النقيض هناك قيمة وسطى تحتسب فضيلة، مثل أنه بين الجبن والتهور توجد فضيلة الشجاعة، وبين الإسراف والبخل توجد فضيلة الكرم، وبين التخمة والجوع يوجد الإحساس بالشبع.. إلخ من الأوصاف المبالغ فيها والفضائل التى تتوسطها، وهذا ما جعلنى أنادى لو أن فناناً كاريكاتورياً عبقرياً يحاول أن يهضم كل المبالغات بعصر مبارك وكل التجاوزات فى زمن مرسى، ليرسم لنا عموم المصريين كقيمة وسطى وفضيلة أرقى من العهدين.



