ياسر عبدالعزيز يكتب : دولة كانت هنا.. فأين ذهبت؟
إذا كنت قد قرأت صحف الأسبوع الماضى، فلاشك أنك تعرف الآن أن الدولة المصرية مفقودة، وأننا نحاول أن نجدها بلا جدوى. خرج أحد مستشارى رئيس الجمهورية، قبل أيام، معلناً عن تقدمه بطلب لتعديل اتفاقية السلام مع إسرائيل، وهو الأمر الذى استلزم إعلان الناطق الرئاسى بوضوح أن «هذا الخبر عار من الصحة»، وأن المستشارين الرئاسيين غير مخولين بالحديث باسم الرئاسة. بعدها بيومين نشرت «المصرى اليوم» حواراً مع الدكتور محمود حسين، الأمين العام لجماعة «الإخوان المسلمين»، حيث سألته: «ما موقف الجماعة فى حال استقبال الرئيس مرسى أو مقابلته رئيس وزراء إسرائيل؟». كان من المفترض أن يرد الرجل على قدر السؤال، فيقول إن موقف الجماعة سيكون «الرفض» مثلاً، أو «القبول»، أو غير ذلك، لكنه اختار أن يرد على نحو آخر، قائلاً: «نحن لن نستقبل أحداً قبل قيام الكيان الصهيونى بواجباته تجاه الفلسطينيين، ولسنا مضطرين لمقابلة أى شخص»، وهو الأمر الذى لم يصدر بصدده نفى أو تصحيح أو «توبيخ» حتى الآن. إنها دولة تائهة، ورئاسة مشوشة ومرتبكة، تمتلك جيشاً من المستشارين الذين يصرحون «خطأ»، ثم نعرف أنهم غير «مخولين» بالتصريح، قبل أن تتصدى «الجماعة» للرد على أسئلة تخص «الرئاسة»، فتحسم الموقف من استقبال رئيس وزراء إسرائيل بالرفض المطلق.. ولا يتدخل أحد لإعادة الأمور إلى نصابها، بالقول إن «قيادات الجماعة لا تمثل الرئاسة ولا تتحدث باسمها». ليس هذا فقط، ولكن سيمكنك أيضاً قراءة أخبار مفجعة عن «مطالبة وفد من شيوخ وقبائل سيناء وزير الداخلية بالموافقة على إشراكهم فى المنظومة الأمنية، والسماح لأبناء القبائل بحماية أراضيهم ومناطقهم، وتسليحهم تسليحاً مناسباً، وتدريبهم على منع التهريب والتسلل عبر الحدود». إذا وافق الوزير على ذلك الطلب، كما أكد قياديون قبليون، فإنه سيتم تسليح أبناء القبائل أيضاً، وستتاح لهم فرص الاستخدام المشروع للسلاح، وأيضاً سيتم منحهم «حق الضبطية القضائية»، ليتمكنوا من «منع التهريب والتسلل». يبدو أن هؤلاء القياديين طلبوا ذلك فعلاً، لأن خبراً آخر يقول إن «شيوخ القبائل طالبوا بوضع نص فى الدستور يعترف بالقضاء العرفى المعمول به فى المناطق القبلية». وبالطبع لم يقتصر الأمر على ذلك، فقد تفاعل الدكتور محمد البلتاجى، القيادى بحزب «الحرية والعدالة»، عضو لجنة المقترحات بـ«الجمعية التأسيسية» مع ذلك الطلب، واقترح على الشيوخ «تقديم صياغة للمادة التى يرغبون فى إضافتها للدستور الجديد، بالشكل الذى لا يتعارض مع دولة القانون». لدينا إذن، بحسب هذه الأخبار، مطالبة بتسليح أبناء القبائل، ومنحهم حق «الضبطية القضائية»، واقتراح بمادة دستورية تعترف بـ«القضاء العرفى». ليست تلك كوابيس أو أوهاماً على أى حال، بل هى أخبار تتلاءم مع حالة انهيار الدولة فى تلك البقعة العزيزة سيناء، وليس أدل على ذلك سوى الأخبار والمناشدات والصرخات التى تعلو يوماً بعد يوم عن تهجير أسر مسيحية من منطقة رفح إلى العريش، بسبب تهديدات من الجماعات المتطرفة، وهو التهجير الذى يتم بـ«علم الدولة ورعايتها». لن يمكنك أن تصدق أن الرئيس مرسى، الذى كان يتحدث إلى الجالية المصرية فى نيويورك، قبل أيام، أراد أن يُطمئن الأقباط ويشجعهم على التلاحم مع مواطنيهم المسلمين، فقال لهم واصفاً العلاقة بين الجانبين كما يريد أن يراها: «أنا وابن عمى على الغريب». يفهم الرئيس مرسى أن المسلمين والأقباط فى مصر ليسوا إخوة، وإنما أبناء عم، وأنهم لذلك يجب أن يتحالفوا ضد «الغرباء» الذين يريدون الإضرار بنا، متناسياً أن الشق الأول من المثل «الكريه» الذى ذكره يقول: «أنا وأخويا على ابن عمى»، وهى رؤية يمكن أن تؤدى بالطبع إلى ما نحن فيه من كوارث وصلت إلى حد تهجير الأقباط من رفح، بعدما تم تهجيرهم من العامرية ودهشور. لقد عاد الرئيس من نيويورك بحصيلة من المواقف التى تعزز انهيار مصداقية الدولة وتشوش فهمها لدورها، وهو أمر لا يتعلق أبداً بخطأ «لغة الجسد» الفادح، لكنه يتصل بدعوة الرئيس المهاجرين إلى «اقتطاع كل منهم عشرة دولارات شهرياً من دخله، لتكون لدينا حصيلة كبيرة». إنها مسألة تعكس، من دون شك، مدى الطموح الاقتصادى للرئيس، وحجم معرفته عن المشكلة الاقتصادية، ورؤيته لدور الدولة فى حلها، ومساحة الأفق الذى باتت تتحرك فيه الدولة راهناً. تلك كانت حصيلة أيام قليلة من تعاطى الأخبار، لن تترك لك سوى دهشة تدفعك إلى تخوم الذهول، ومرارة تسحبك إلى حدود اليأس، وأسئلة ملحة تتردد عن «دولة كانت هنا.. فأين ذهبت؟».



