سامح راشد يكتب : تحالفات ورق
«تحالف الثورة مستمرة».. «جبهة التحالف الديمقراطى».. «تحالف من أجل مصر».. «التيار الثالث».. «تحالف الدستور».. «تحالف الأمة».. «التيار الشعبى».. هذه بعض التحالفات والتكوينات السياسية التى توالت على مصر بعد الثورة، أى فى أقل من عشرين شهراً. تقوقع معظمها بعد تدشينه بأسابيع، وبعضها - مثل التيار الثالث - انتهى وجوده بانتهاء المؤتمر الصحفى الذى أعلن فيه! قبل الثورة كانت التحالفات والائتلافات تنشأ لأغراض انتخابية واضحة، وأشهرها التحالف الشهير بين الوفد والإسلاميين فى انتخابات ١٩٨٤. بعد الثورة اختلفت دوافع وأغراض التحالفات السياسية. منها الانتخابى، ومنها ما كان يستهدف تحقيق أغراض مرحلية محددة، مثل الجبهة الوطنية التى ساندت مرسى قبل إعلان نتائج الانتخابات الرئاسية مقابل وعود بتحقيق مطالب وطنية وثورية. أما التحالفات السياسية الجديدة فالسمت الغالب عليها هو مناوءة حكم الإخوان، رغم أن غالبية أحزاب وشخصيات تلك التحالفات هى ذاتها التى خاض معظمها انتخابات مجلسى الشعب والشورى بعد الثورة تحت عباءة الإخوان، فيما عرف وقتها بـ«التحالف الوطنى الديمقراطى»، والذى انفرط عقده مع دخول مجلس الشعب فى صدامات مع المجلس العسكرى وحكومة الجنزورى. والآن بعد ثلاثة أشهر من تولى مرسى الرئاسة، وجدت الأحزاب والتيارات غير الإسلامية أنها مطالبة بالتنسيق والتحضير لانتخابات البرلمان المقبل، إذ ستخوض الانتخابات هذه المرة فى مواجهة الإسلاميين «إخوان وسلفيين». تنقسم خارطة التحالفات الجديدة إلى مجموعتين: الأولى «يسارية - اشتراكية»، والأخرى «يمينية - ليبرالية». ولا يعنى ذلك بالضرورة أن تلك التحالفات تجسد الاشتراكية أو تؤمن بالليبرالية. فى المجموعة الأولى نجد تكتلاً يسارياً «ناصرياً» يضم أحزاب الناصرى والكرامة والوفاق القومى وحركة المؤتمر الناصرى العام. وهذه المجموعة أعلنت أيضاً تأييدها للتيار الشعبى، الذى أسسه حمدين صباحى. ويمثل التيار مظلة واسعة تضم أطيافاً ومكونات متفاوتة فى يساريتها، فهناك، إلى جانب الناصريين، أحزاب المصرى الديمقراطى الاجتماعى والتحالف الشعبى الاشتراكى. المجموعة الثانية لا تضم تحالفات كثيرة، فهما تحالفان أساسيان: «الأمة المصرية»، الذى يعول بشدة على ثقل اسم عمرو موسى، و«الدستور»، الذى يستند إلى الحزب الجديد الخاص بـ«محمد البرادعى». وذلك بعد اختفاء ما سمى «التيار الثالث» أو «تحالف القوى المدنية». تجمع تلك التكوينات الجديدة عدة سمات، من أهمها تشابه الأهداف والمبادئ التى تنطلق منها، فجميعها ينادى بدولة مدنية، وحياة ديمقراطية وحرية التعبير. وكلها يسعى إلى صياغة دستور ديمقراطى حديث، وعدم استئثار فصيل واحد بالسلطة. ولا فارق بين كل هذه التحالفات سوى اهتمام التحالفات اليسارية بتحقيق العدالة الاجتماعية. ومن المدهش أن بعض الشخصيات من الساسة والحزبيين أعضاء فى كل التحالفات والتشكيلات الجديدة، فمعظم من يطلقون على أنفسهم ليبراليين مشتركون فى تكتلات الأمة المصرية والدستور والتيار الثالث. وكذلك حال كثير من اليساريين، بل إن حزب التحالف الشعبى الاشتراكى كان جزءاً من تأسيس «التيار الثالث»، الذى هيمن عليه ذوو الفكر الليبرالى الرأسمالى، ظناً منه أن ذلك التكتل المتنوع سيشكل قوة موازنة للعسكر والإخوان وطريقاً ثالثا بينهما. سمة أخرى مشتركة، هى أن كل الأحزاب والتيارات والشخصيات المنضوية فى هذه التكتلات والتحالفات تعانى من محدودية التواجد فى الشارع المصرى. مع فارق أن اليسار تنقصه كوادر وموارد التواصل الجماهيرى، أما اليمين الليبرالى فيفتقد الإرادة والتواضع اللازمين للنزول إلى الشارع والاحتكاك به. فقد ولدت معظم التكتلات الليبرالية النخبوية فى القاعات المكيفة. وعادة تنتهى، كما بدأت، منعزلة عن المجتمع. بينما هذا المجتمع هو الأساس لدى اليسار، لذا تم إعلان «التيار الشعبى» من الشارع فى ميدان عابدين. وكثير ممن شاركوا فى تدشينه وطنيون تتجاوز مواقفهم حدود الأفكار اليسارية والمبادئ الاشتراكية. لذا يملك هذا التيار فرصة نجاح قوامها الانفتاح على جميع الاتجاهات الوطنية، والتواصل مع نسيج المجتمع المصرى بألوانه وخطوطه المتقاطعة. أما تلك التحالفات النخبوية الأخرى، التى تسمى نفسها ليبرالية أو مدنية أو ثالثة، فكثير من مؤسسيها عملوا بإخلاص وتفان مع مبارك، أو من أصحاب الديكورات الحزبية المعارضة. فضلاً عن أن معظمهم فى العقد السابع من العمر. ولا أظن أن شخصيات فى هذا العمر وبذاك التاريخ لديهم ما يقدمونه لمصر. فاقد الشىء لا يعطيه، ومن جُبل قبل الثورة على التدليس السياسى، سواء بالتبرير للحاكم أو بمعارضته على الورق، لا غرابة فى أن يظل بعدها أسير كلام ونضال وأحزاب وتحالفات، كلها أيضاً على الورق. samehrashed@gmail.com



