أكمل قرطام يكتب : من أين لك هذا
«السياسة يابنى بحورها خشنة مش ريش نعام، غُوص فيها تلقى الغرقانين شايلين غنايم، والخفيف هو اللى عام».... رباعية للراحل «صلاح جاهين»، لا أتفق مع شقها الأخير، فالحاصل أن معظم حاملى غنائم العهد السابق «عاموا»، وعبروا إلى الشاطئ، وأكثر «الغرقانين» من النوع «الخفيف»، لا يحملون غنائم، لكنهم يجهلون «العوم» فى البحور «الخشنة»، ذات المياه «العَكِرة»، والشواطئ «الوَحِلَة»، التى لا يعبرها وينجو منها إلا «المحترفون»، سواء كانوا «خُفافاً» أو «شايلين»، ولا عزاء «للغرقانين» الخفاف، ولو تفحصت بعض الناجين ممن حملوا الغنائم تجد أنهم حققوا الجزء الأكبر من ثرواتهم باستخدام النفوذ، والواسطة، والمعارف، والذكاء الاجتماعى، وتمكنوا بفضلها من الالتفاف على القوانين واللوائح، والنفاذ من ثغراتها وثقوبها، بمساعدة الفساد الذى كان قد استشرى فى أجهزة الدولة، وسوف تلاحظ أن منهم من كان محسوباً على النظام، كما أن منهم من كان يعيش فى جلباب المعارضة، وكلاهما استظل بعباءة المعارف من رجال السلطة، أما الغالبية فكانت من الخبثاء الذين استفادوا من الأوضاع وظلُّوا بعيداً عن الأضواء، ولم يتكلفوا مشقة «السباحة» العلنية فى البحور السياسية، وإحقاقاً للحق كان هناك طوال الوقت مواطنون صالحون، تعايشوا مع الظروف، سواء فى صفوف النظام أو فى المعارضة أو بعيداً عن الأضواء، وجاهدوا فى سبيل الإصلاح، سياسياً واقتصادياً، منهم من أُضير، ومنهم من لم يستفد ولم يضر...، المهم الآن هو كيفية التعامل مع حاملى «الغنائم» من الذين عبروا إلى «الشاطئ» فى أمان، أنا أرى أنه لا مانع من إعادة العمل بقانون «من أين لك هذا» ولو لفترة انتقالية، ولتكن عامين لا أكثر، خاصةً أن قانون «الكسب غير المشروع» يقتصر فى تطبيقه على العاملين بأجهزة الدولة، وربما يمتد إلى من تربح من غيرهم من المتعاملين معها، بينما قانون «من أين لك هذا»، إن تم تطبيقه، فسوف يكون أشمل وأعدل، على أن يسمح «بالتفاهم» مع من يثبت ثراؤه بلا سبب من جهد أو مبرر أو عمل، دون تشهير أو تشويه أو عقاب أو تنكيل، مثلما تفاهم عمر بن الخطاب مع ولاة الأمصار، باقتسام ثرواتهم مع الدولة دون تجريح أو اتهام، فاقتصاد البلاد فى حالة يرثى لها، فالاحتياطى النقدى الذى وصل فى عهد الفساد إلى ٥١ مليار دولار - وليس ٣٦ مليار دولار كما يزعمون - تناقص ليصل الآن إلى ١٥ مليار دولار، وتزايد الدين الداخلى ليصل إلى ١٣٠٠ مليار جنيه، فمن الأولى إذن استرداد «المغانم» ممن اكتسبها دون أسباب، سواء كان مصدرها التعامل مع أجهزة الدولة، أو جمعها من الناس، مثلما حدث فى طرح شركات بالبورصة بزيادة أضعاف عن قيمتها، لتعود بعد ذلك إلى حقيقتها، وتُصب الثروات فى جيوب «حاملى الغنائم»، فترتفع مؤشرات النمو فى الدولة، ولا ينال البسطاء منها إلا الإفقار. إن اقتراح تفعيل قانون «من أين لك هذا» ليس بديلاً عن ضرورة وضع مشروع اقتصادى متكامل وطموح للخروج بالبلاد من مأزقها الحالى، كما أنه لا يقصد به الاعتداء على الملكيات الخاصة المصانة بالشرع والدستور، إنما فقط لتصويب الأمور، وللمساعدة مؤقتاً فى استمرار مصر وطناً مُمكناً لمن يملكون.. ومن لا يملكون.



