إسراء عبدالفتاح تكتب : كيف نغضب؟
بداية أُقدر حالة الغضب التى اجتاحت العالم العربى عقب الفيلم المسىء للرسول، صلى الله عليه وسلم، وأود أن أؤكد أن الاحتجاجات ليست فوضى على الإطلاق.. وليست تعدياً.. طالما كانت سلمية، لكنها الصوت الغاضب المعارض الذى طالما كنا ننتظر ونرجو سماعه.. الاحتجاجات ظاهرة تحدث فى كل دول العالم وفى كثير من الأحيان قد تأخذ شكلاً من أشكال العنف، وعلى الحكومات الذكية استثمار هذا الغضب وتنظيم هذه الاحتجاجات بما يحقق لها مصالح دولية. الاحتجاج مرتبط بأكثر من أمر، أولاً: القضية التى سوف نحتج عليها واستيعابها جيداً. ثانياً: الآلية التى نحتج بها، التى ترتبط هى الأخرى بوعى الشعب وثقافته، وإذا كانت القضية دولية فالأمر الأكثر أهمية هنا، الذى يرسم بدوره شكل وآلية الاحتجاج هو الرد الرسمى الحكومى النابع من الجهات الرسمية للدولة وعلى رأسها رئيسها، خاصة ما إذا كان منتخباً بإرادة شعبية خالصة.. وبعد ثورة عظيمة، هنا لابد أن يكون رد فعله مناسباً ومتسقاً مع غضب الشعب، وأحياناً يتطلب أن يكون أكثر غضباً حتى تكون هناك حكمة فى احتجاجات الشارع، هذه الحكمة لا تخرج الاحتجاج أبداً عن سلميته، وهنا نجد أن رد الفعل الرسمى الرئاسى والحكومى جاء متأخراً جداً، ولا أظنهما أدلوا بتصريحاتهم إلا بعد أحداث السفارة الأمريكية فى ليبيا، والخوف من تطور الأمر فى مصر، ورد الفعل كان هزيلاً لا يتناسب أبداً مع الحدث، ولا مع فهمهم طبيعة التغيير الذى حدث لشعوبهم بعد هذه الثورات العربية، شعوب انتفضت من أجل الكرامة والعزة والحرية وأقبلت على الموت دفاعاً عن حريتها وعزتها. إذن ماذا سيكون رد فعل هذه الشعوب عندما توجه الإساءة لنبيهم ورسولهم، عليه أفضل الصلاة والسلام، وعلى حضارتهم الإسلامية مصدر فخرهم؟ أكيد كان لابد أن نستنتج أن رد فعلهم سيأخذ شكلاً ما من العنف، وأن نبادر برد فعل رسمى يجمح هذا الغضب ويقننه، لكن هذا لم يحدث للأسف من الجهات الرسمية، التى أرى أنها إذا لم تكن فى الحكم سيكون رد فعلها مخالفاً تماماً وأكثر قوة، ونستطيع جيداً أن نقارن موقف الإخوان المسلمين قبل وصولهم للحكم فى أحداث كثيرة مشابهة، وموقف الإخوان المسلمين وهم فى الحكم الآن، وهنا نجد الإخوان يفصلون السياسة عن الدين وقتما يشاؤون.. فيخلطون السياسة بالدين حتى يصلوا للحكم، ويستغلون النزعة الدينية لدى البسطاء مع أنهم فى قرارة أنفسهم يعلمون أنه لابد من فصل الدين عن السياسة، ويحققون ذلك بوضوح الآن فى مواقفهم الرسمية للدولة، ويعلنون بأفعالهم أن للسياسة مواءمات قد تكون مطلوبة فى بعض الأحيان. فكلما ارتفعت مكانة الدولة فى الساحة الدولية، وقويت سياستها الخارجية، وأسرعت الدولة فى الاستجابة للمطالب الشعبية، تراجعت حدة الاحتجاجات. جاء هذا الفيلم المسىء للرسول، صلى الله عليه وسلم، رغبة فى إفساد الربيع العربى الذى نعيشه، فبعد أن صرنا فى نظر الأمم شعوباً حرة انتفضت لرفض الظلم وإهانة كرامتها، تحولنا إلى شعوب همجية ليس لديها أى ردود إلا باستخدام العنف الذى أساء لنا نحن قبل أى شخص آخر، وأساء لديننا الإسلامى قبل أى دين آخر، كان هذا هو ما يسعون إليه، وساعدهم بعض من الشيوخ. لذلك يجب على الحكومات الذكية ومنظمات المجتمع المدنى والنشطاء ومنسقى الحركات والجميع أن يأخذوا على عاتقهم نشر ثقافة الاحتجاج السلمى الذى يخدم القضية، لا يضعف منها ويشوهها. أعجبتنى مبادرة شيخ الأزهر الذى قام بكتابة المقالات التعريفية بالنبى، عليه الصلاة والسلام، ونشرها فى الصحف العالمية مثل: «واشنطن بوست» و«لوموند» الفرنسية، ورأيت فكرة عمل يوم تعريفى «سلاسل بشرية»، وتوزيع منشورات فى الدول الأوروبية للتعريف بالرسول فكرة رائعة، وهناك اقتراح جيد جداً من الهند بالرد على الفيلم المسىء بفيلم آخر يعرف بحياة النبى وأخلاقه السمحة. وكذلك الوفد الخليجى الذى توجه لمخاطبة الاتحاد الأوروبى لعمل قانون يجرم ازدراء الأديان، حتى وإن لم يكن الاتحاد الأوروبى فى مقدوره ذلك، لكنها مبادرة جيدة، وكنت أتمنى من بلد الأزهر الشريف أن تبادر بحملة دولية وتخاطب كل دول العالم من أجل إصدار قانون رادع دولى لازدراء الأديان.. تلك هى ردود الأفعال المتحضرة التى تخدم القضية وترد رداً إيجابياً على كل من تسول له نفسه الإساءة إلى الأديان.. وهذه أيضاً هى ثقافتنا الإسلامية. esraa.abdfattah@gmail.com



