د. نوال السعداوى تكتب : التوازن بين مطالب الجسد والروح
طبيب نفسى كتب فى تعليقه على مقالى السابق، أن الغرب، خاصة أمريكا، فصلت تماما بين الدين والدنيا، وحولت الأمريكيين إلى كائنات تسعى لإشباع مطالب الجسد «طعام وجنس» وبالتالى فقدوا الطمأنينة التى يصنعها الدين، وانغمسوا فى الخمور والمخدرات لإشباع فراغهم الروحى، وأن فساد العالم يرجع لغياب التوازن النفسى الذى يصنعه الدين بين مطالب الجسد ومطالب الروح. هذه الفكرة تضلل العقول عن الأسباب الحقيقية للفساد الناتج عن النظام الطبقى الأبوى «العالمى والمحلى» هى فكرة قديمة، سادت فى مدارس الطب النفسى الأوروبى فى القرن التاسع عشر، وتم نقلها إلى مستعمراتهم ومنها إلى بلادنا. درست الطب فى القاهرة، باللغة الإنجليزية من مراجع بريطانية يختلط فيها الدين بالطب، كتاب كانينجهام تعلمنا منه التشريح لم ترد فيه صورة أو كلمة واحدة عن وظيفة الأعضاء الجنسية للمرأة، باعتبار أن وظيفة المرأة حسب الكتاب المقدس هى أن تحمل وتلد فى الأسى، وتشتاق لزوجها وهو يسود عليها. سيجموند فرويد من أوائل من كشفوا عن علاقة التعصب الدينى بالأمراض النفسية والعصبية، لكنه لم يتعرض لفكرة التوازن النفسى الناتج عن الدين. الدراسات الجديدة أثبتت أن التوازن بين مطالب الجسد والروح يحدث طبيعيا للإنسان وكل الكائنات الحية، لأن الطبيعة لا تفصل بين الجسد والروح، وهناك فصائل من الأفيال والكلاب أكثر إخلاصا ووفاءا من بعض البشر. لا تؤمن الحيوانات بالأديان، لكن يمكن أن نغرس فى عقولها القيم الإنسانية النبيلة بالتربية والتعليم الجيد، فى القارات الخمس بلايين البشر لا يؤمنون بآلهة سماوية أو أرضية، لكنهم تربوا منذ الطفولة على الأمانة والصدق والعدل وغيرها من القيم النبيلة، التى تصنع الضمير الحى. المسألة إذن هى «تربية الضمير» منذ الطفولة وغرس القيم الإنسانية النبيلة فى العقول والنفوس، بعض الناس يؤمنون أن الضمير هو الله. يحدث التوازن بين المطالب الجسدية والروحية بسبب الضمير الحى، وليس بسبب الخوف من نار الآخرة، يشعر الإنسان النبيل بالسعادة حين ينطق الصدق، أو يحكم بالعدل، أو يضحى برغبات جسدية من أجل المسؤولية الإنسانية والوفاء بالعهد فى حياته العامة أو الخاصة. يستمد الطفل والطفلة القيم الأخلاقية الرفيعة «أو الغليظة» من أمه أو أبيه أو المدرسين والمدرسات. فى المدرسة الابتدائية ضربنى «الأفندى» بالمسطرة على أصابعى حتى تورمت لماذا؟ لأنى غضبت حين قال، الله خلقنى نصف الولد لأنى بنت. أمى أكدت أن البنت مساوية للولد، وقد تفوقه ذكاء وخلقا، أبى قال الله عادل لا يفرق بين البشر. لو كانت أمى أو أبى بعقلية المدرس لانتهت حياتى فى المطبخ والسرير، أو خادمة للأطفال والقطط فى البيوت. العدالة بين البشر هى قمة الفضائل، تنغرس فى الأطفال بالتربية الصحيحة والتعليم الراقى، ولا علاقة لها بالأديان أو العقائد.. هل المسلم أكثر صدقا من المسيحى لمجرد أنه مسلم؟.. هل الزوج أكثر صدقا من زوجته لمجرد أنه رجل؟.. هل الرجل الاشتراكى أو الماركسى أكثر صدقا فى حياته العامة والخاصة من الرجال الآخرين؟ ينمو الضمير الإنسانى فى الطفولة المبكرة كالشجرة تنمو، يصبح إنسانا مستقيم الخلق أو معوجا، قد نعتنق «فى مرحلة متأخرة» عقيدة نبيلة من زملائنا بالحزب مثلا، قد تساعدنا على إلقاء الخطب الثورية وكتابة المقالات العظيمة والظهور كزعماء سياسيين أو دينيين، لكنها لا تغير الاعوجاج الأول، ولا تصنع إنسانا نبيلا يتمسك بالعدل والصدق وإن أدخلوه السجن أو حكموا عليه بالموت.



