د. هشام الحمامى يكتب : القلب الحكيم و«بيت أبى سفيان»
حين دخل الرسول الكريم مكة فاتحاً خاطب أهلها قائلاً لهم ضمن ما قال: «من دخل بيت أبى سفيان فهو آمن».. الرسول الأكرم وصفه الخالق البارئ بأنه على خلق عظيم، وأن من أهم أسباب التقاء القلوب حوله صلى الله عليه وسلم واجتماعها عليه أنه لم يكن أبداً فظاً ولا غليظ القلب، ولكنه كان ليناً برحمة من الله.. وأوصافه صلى الله عليه وسلم تطول فى معانى اللين والرفق وكل ما هو راق ورفيع ونبيل من الخلق والسلوك. على أن موقفه عليه السلام من إعزاز أبى سفيان ورفع شأنه أمام قومه وأمام الجيش المنتصر.. وهو المهزوم فى عقر داره.. من المواقف التى تخلب الألباب وتذهل العقول.. والرجل فى جملة الأمر لم يكن فرداً عادياً فى موقفه من الدعوة بل كان من رؤوس الكفر التى حاربتها وظل على حال العداوة والحرب حتى دكت الخيل باب داره. كان من الممكن أن يجعله الرسول عبرة لمن يكابر ويستعلى، لكنه صلى الله عليه وسلم فعل خلاف كل ذلك.. وأبقى أباسفيان على رأس قومه صوناً لكرامته وكرامة أهل مكة الذين يعتبرونه كبيرهم ورمزاً لهم. وتلك هى شيم الكبار وأخلاقهم، خاصة فى أوقات الانتصار وتحقيق الهدف، وصنع الرسول من الموقف كله درساً إنسانياً رائعاً فى صون الكرامة الإنسانية، وفى تحويل كل لمحة فى كل موقف إلى «حالة» أخلاقية يتأكد فيها كونه على خلق عظيم. ناهيك عن أن الموقف قد ينظر إليه السياسيون على أنه من أكثر الممارسات السياسية رشداً وحكمة.. فقد تحول الرجل بكل ما يملك من إمكانات شخصية ومادية إلى «نصير» وقوة مضافة للعهد الجديد. تأملت هذا الخلق وأنا أتابع متألماً «ثقافة التنكيل» التى يسلكها بعض الإسلاميين فى تعاملهم مع بعضهم البعض، والمفترض أنهم أبعد ما يكونون عن هذه المسالك والأخلاق.. وفق ما يؤمنون به ويدعون الناس إليه.. ذاك أن من بيننا وبينه عداوة يوصينا «القرآن» بأن نعتبره ولياً حميماً، فما بالك بمن دامت صحبته سنوات وسنوات. يحكى الدارسون عن الأستاذ البنا عليه رحمة الله أنه كان لا يبدد صلة ولا يفرط فى علاقة.. ليس من باب سياسة القلب الحكيم فقط.. ولكن ديناً وخلقاً قبل كل شىء، لدرجة أنه رضى الله عنه من صدق نقائه ونقاء إخلاصه وإخلاص أخلاقه.. جعل الله من شخصه الطيب نقطة التقاء لكل الفصائل والتيارات الإسلامية والوطنية، حيث إن كل هذه الفصائل والتيارات والشخصيات على اختلاف وتباين مواقفهم واجتهاداتهم إلا ويرون للأستاذ البنا «شعاعاً فى عقله»، أين هذا من ثقافة وأخلاق «لن نسمح بنجاح أحد خرج على التنظيم»، لأن نجاحه قدوة لغيره فى الخروج والتفلت من ضوابط العمل التنظيمى؟! هذا مفهوم فراغى لا تحكمه أى معايير إلا معايير الدوافع الخفية، التى تغرق فيما هو شخصى.. وجسامة الفهم الخاطئ هنا أن من يقول ذلك يتصور أنه يحمى التنظيم.. التنظيم أقوى وأصلب آلاف المرات من حالات الخروج المعدودة، لأنه يقوم وينشأ على مفهوم «ما كان لله دام واتصل».. والله خير حافظاً وهو أرحم الراحمين، ثم أين الوفاء والاحتواء الحاضن؟ .. من المسؤول عن استعداء الأصدقاء وإلحاقهم بصف الخصوم؟ وقديماً قالوا «العاجز ليس من عجز عن اكتساب الأصدقاء بل من أضاع من اكتسبهم»، ألا يوجد من يتحمل أمانة المسؤولية بتلك الخفقات الروحانية متمثلاً موقف النبى الكريم.. فيصطنع الأصدقاء اصطناعاً حتى لو كانوا خصوماً فى يوم ما.. وحتى لو لم يكن أمامهم منفذ آخر إلا ليقوموا بدور الأصدقاء.. فنحفظ لهم كرامتهم وعزة نفوسهم.. ونجعلهم بيت «أبى سفيان». بدلاً من أن يكونوا بيت «بيرناردا ألبا».. ذلك البيت المتخاصم التعيس المسكون بالتعساء والمتخاصمين والذى حكى لنا قصته الشاعر الإسبانى جارثيا لوركا «١٨٩٨ - ١٩٣٦م».



