د. إبراهيم البحراوى يكتب : وزر باسيلى ونصرالله وليس أمريكا
لا شك أن غضبة المسلمين التى بدأت فى القاهرة وانتقلت إلى ليبيا وتونس، ومنها إلى العراق ولبنان والسودان والأرض المحتلة، وعبرت كموجة تسونامى قوية إلى إيران وإندونيسيا وماليزيا، حتى ضربت سواحل أستراليا وأغرقت سيدنى، هى غضبة حق ليس لأحد أن يعترض عليها. مع تنامى الموجة وتحولها فى بعض الأماكن مثل القاهرة وبنغازى والخرطوم وتونس إلى العنف، ومحاولات اقتحام السفارات الأمريكية مررت رسالة إلى من أعرفهم فى التيارات المختلفة سياسياً، والمتحدة حول ضرورة الاحتجاج والقصاص. كان جوهر رسالتى أننا كمسلمين مأمورون فى ديننا الحنيف بأن نتحرى العدل وألا نعاقب بريئاً بوزر ارتكبه غيره «ولا تزر وازرة وزر أخرى»، وأننا مأمورون بآيات صريحة فى القرآن الكريم بأن نكون قوامين بالقسط شهداء لله ولو على أنفسنا، وبألا نتبع الهوى فلا نتهم بريئاً لأننا نكرهه، أو نبرئ جانياً لأننا نحبه. لم أجد من العقلاء أدنى اعتراض على ضرورة تحديد الجناة لاتخاذ الإجراءات القانونية اللازمة للقصاص منهم، ولم ألمس أى رفض لمنطق المسالمة فى الاحتجاج وإظهار الوجه الحضارى للإسلام بتجنب الاعتداء على السفارات أو الأجانب أو التعرض بأى صورة للأقباط. غير أن استمرار المظاهرات الفوضوية التى تحاول اقتحام السفارة الأمريكية بالقاهرة جعلنى أتأمل تفسيراً بدأ يطل بوجهه ليقول إن العناصر المصممة على الفوضى لا علاقة لها بالغضبة الصادقة لنبى الإسلام، وإن قطاعاً منهم مأجور من جانب أعداء الثورة الكارهين للديمقراطية التى انتزعت منهم كراسى الحكم. خشيت أن أقع فى مصيدة تصديق هذا التفسير لسوء سمعته واستخدامه طوال العهد البائد لتلويث سمعة المجاهدين وتشويه المقاتلين من أجل الحرية. قلت لأصحابى إننى أعتقد أنها ظاهرة فائض الطاقة والقوة فى أبدان ونفوس الشباب جنباً إلى جنب مع الإحباطات الاقتصادية والاجتماعية والإنسانية وضعف الوعى، وإن نزول شيوخ أفاضل لإقناع هؤلاء الشباب كفيل بتراجعهم عن الفوضى ومحاولات اقتحام السفارة. فى مساء الجمعة استمعت إلى الأستاذ «بكار»، المتحدث السلفى الشاب، وهو يقول إن المصممين على اقتحام السفارة ليسوا من الحركات الإسلامية أو السياسية أو الثورية، وإن كل محاولات إقناعهم بالسلوك الاحتجاجى السلمى ذهبت هباء، وإن على قوى الأمن أن تحدد هوياتهم ودوافعهم. فى السياق نفسه، أخبرتنى الإعلامية الكبيرة سلمى الشماع بأنها حوصرت على كوبرى قصر النيل من جانب هؤلاء المتظاهرين أثناء كرهم وفرهم، وأنها تؤكد أن سلوكهم ولغتهم ومظهرهم الذى عاينته عن قرب لا يدل على أن لهم أى علاقة بالغضبة للنبى وأنهم من النمط الفوضوى. إذا وضعنا هذه الصور من القاهرة مع صور حاملى قاذفات الـ«آر.بى.جى» والصواريخ المضادة للدروع، الذين هاجموا السفارة فى بنغازى، فإننا نستطيع القول بضمير مرتاح إن الحشود المسلمة الغاضبة لنبيها والمحتجة بصورة سلمية قد تم اختراقها من الجماعات التكفيرية وأنصار النظم الساقطة على حد سواء، لاستغلال غضبتها للإطاحة بالحكومات الجديدة التى أفرزتها الإرادة الشعبية، أو على الأقل للإيقاع بينها وبين الولايات المتحدة. لقد شغلت نفسى بفحص الصحف ومواقع الأخبار الإسرائيلية والأمريكية فى محاولة لتحديد الجانى المسؤول عن إنتاج وتوزيع الفيلم الجريمة، تجنباً للخلط الناتج عن تضارب معلومات المصادر المختلفة، ويمكننى ترتيب الأمر على النحو التالى: فى البداية ذاعت رواية صحيفة «وول ستريت جورنال» الأمريكية التى قالت إن مخرج ومنتج الفيلم قدم لها نفسه بصفته أمريكياً إسرائيلياً يدعى سام باسيلى، وإن مهنته مستثمر عقارى، وعمره ٥٤ سنة، ووصف الإسلام، تعليقاً على حادث بنغازى بأنه سرطان، وأضاف أنه مول الفيلم بخمسة ملايين دولار جمعها من الأثرياء اليهود. جاءت بعد ذلك الرواية الثانية التى قدمتها وكالة «أسوشيتدبرس» من خلال تحقيق صحفى قامت به واستطاعت بالبحث التوصل إلى شخصية المنتج وهو مصرى مهاجر له تاريخ فى الاحتيال والسجون اسمه نيقولا باسيلى نيقولا. اعترف الرجل للوكالة بأنه منتج الفيلم غير أنه أنكر أنه المخرج، وقال إنه يعرف المخرج الذى سماه سام باسيلى. استطاعت الوكالة كشف كذب «نيقولا» واكتشاف أنه اخترع شخصية اليهودى الذى سماه سام باسيلى، ليخفى حقيقته وليستطيع الاتصال الآمن بالصحف. وجاءت الرواية الثالثة لتؤكد شخصية المجرم «نيقولا» بواسطة شبكة «ABC» الأمريكية، التى قالت: إن السلطات فى كاليفورنيا أبلغتها أن نيقولا باسيلى نيقولا، المصرى القبطى لجأ إلى الشرطة لحمايته، خوفاً من القتل واعترف للسلطات بأنه أنتج الفيلم مع ابنه أبنوب، ٢١ عاماً، وقام بإخراجه، وأن الفيلم تكلف ما بين خمسين وستين ألف دولار فقط، حصل عليها من أسرة زوجته فى مصر. وجاءت الرواية الرابعة من صحيفة «لوس أنجلوس تايمز» لتكشف أن المحرض الأكبر الذى دفع بنيقولا إلى الواجهة هو جوزيف نصر الله، الذى يدير مؤسسة أهلية تحمل اسم «إعلام من أجل المسيح» هى التى حصلت على تصريح الفيلم. إن على جهات التحقيق المصرية بالتعاون مع الخارجية المصرية أن تكشف لنا شخصيات هذين الرجلين ومعلوماتهما الدقيقة، وأن تعمل بعد ذلك من خلال سفارتنا أو منظمات المصريين الأمريكيين على تقديمهما للعدالة فى مصر أو فى أى دولة تسمح قوانينها باعتبار ازدراء الأديان جريمة على عكس ما هو قائم فى الولايات المتحدة، حيث يدخل الأمر فى حرية التعبير. إن الملاحقة القانونية للمجرمين مع الاحتجاجات السلمية تكفيان لإيقاظ ضمير العالم وردع من يفكرون فى مثل هذه الجريمة مستقبلاً. بقى أن نؤكد أننا، كمسلمين، لا نعاقب أبرياء بذنب جناة وأن نتقدم بالعزاء لأسر الضحايا الأمريكيين فى بنغازى وأن نذكر بالتقدير مواقف إخواننا الأقباط الذين غضبوا معنا لنبينا احتراماً منهم للأديان السماوية وأخوة الوطن، وأن نتعهد بالقضاء على روح الفوضى وردع المحرضين عليها.



