«د . طارق الغزالى حرب يكتب : حبيبك يبلعلك الزلط.. وعدوك يتمنالك الغلط»
أظن أننا نحن المصريين نعرف تماماً هذا المثل الشعبى الجميل ونستعمله فى مواقف عديدة تمر بنا، ولقد جاء بذهنى هذا المثل عندما كنت أقرأ عن تصريحات للإعلامى الكبير والرجل الوطنى الأمين حمدى قنديل قالها فى مقابلة تليفزيونية مؤخراً، ذكر فيها أن الخطر الأكبر على وسائل الإعلام ليس من الإخوان المسلمين ولكن من الإعلاميين والصحفيين أنفسهم. إننى أتفق تماماً مع ماقاله الأستاذ حمدى قنديل.. وأعتقد أن الدور الذى يلعبه الإعلام المصرى فى معظمه هذه الأيام سواء المقروء منه أو المرئى أو المسموع، هو دور أقل مايمكن أن يوصف به أنه لايساعد على إعادة بناء الإنسان المصرى على أسس جديدة سليمة يحتاجها الوطن بشدة بعد عقود تعرض فيها لكل أنواع القهر والاستبداد والاستغلال والتجهيل والإفقار، حتى وصلنا إلى مانراه الآن من تشويه بل وتدمير للشخصية المصرية. لقد منح الله هذا الشعب هبة من السماء لم يتوقعها أحد مطلع العام الماضى، تمثلت فى طليعة شجاعة واعية من شبابه أشعلت شرارة الثورة، وأظلت هذا الشعب العريق وقتها عناية الله ورعايته لتنتهى عقود الذل والهوان والفساد والإفساد فى أيام معدودات، وهل على الأرض المصرية فجر جديد يحمل نسائم الحرية والكرامة، وارتجت بهتاف شعبها الذى لايُنسى «ارفع راسك فوق إنت مصرى». كللت عناية الله مسعى هذا الشعب بالنجاح فى اختيار أول رئيس مدنى له بالانتخاب الحر بأغلبية ضئيلة، وإن كانت تعنى الكثير لمن يتوقون فعلا إلى حياة ديمقراطية كريمة عشنا قروناً نتمناها. ورث الحكم الجديد فى مصر أوضاعاً مهترئة فى كافة المجالات، ربما يأتى فى المقدمة منها إعلام مبنى فى غالبيته على قِيم فاسدة ومبادئ وضيعة وأفكار بالية وأخلاق مُتدنية، وللأسف الشديد فإن التعامل مع هذا الملف الشائك والهام لم يرق إلى الآن إلى المستوى الذى يجب أن يكون عليه من العناية والاهتمام. نحن ياسادة شعب يعيش أكثر من ثلثه فى غياهب الأمية الأبجدية، وثقافة أكثر من ثلثيه محدودة بل ومتدنية.. شعب عوده حكامه منذ عقود طويلة على عدم الاهتمام بالقراءة والتثقيف إلا بمقدار مايريدون له أن يعرفه وينشغل به، ويتلقى أبناؤه أردأ أنواع التعليم أسلوباً ومِنهاجاً، وغيبوا عقول غالبيته بتوجيههم إلى الانشغال بأمور الآخرة عوضاً عن الدنيا وحظوظها ليتركوها لهم.. لمثل هذا الشعب البائس فإن وسائل الإعلام بالنسبة له تكون هى المكون الرئيسى لثقافته التى هى أساس إما نهضته أو كبوته. أصبح المواطن المصرى هذه الأيام بعد وصول أحد أبناء تيار الإسلام السياسى إلى كرسى الرئاسة بين نوعين من الإعلاميين فى الغالب الأعم (إلا من رحم ربى الذين هم قلة لايتجاوز عددهم عدد أصابع اليدين) : النوع الأول هم ممن «يبلعون الزلط» للحاكم والحكومة، وهم أحباء ومناصرو ومُريدو التيارات الإسلامية بتنويعاتها المختلفة، فلا يفتح الله على أحدهم بكلمة حق واحدة فى صحفهم وفضائياتهم تنتقد مثلا خيبة الحكومة فى مواجهة المشكلات الهائلة التى ورثناها عن النظام الساقط والإقرار بافتقاد هذه التيارات للخبرات والكفاءات والقيادات، وخطيئة أسلوب المُخاصصة فى تولى المناصب بديلا عن الكفاءة والمقدرة، وعدم الاهتمام بالقيام بأى إجراءات جدية لتحقيق العدالة الاجتماعية، وعدم وفاء الرئيس مرسى بكل ماتعهد به للقوى الوطنية الشريفة التى ساندته.. والنوع الثانى وهم ممن «يتمنون الغلط»، وهم مناصرو الحكم المستبد الفاسد وذيوله وأعوانه، فهم يترقبون بسعادة بالغة كل أزمة تظهر وتفشل الحكومة فى التعامل السليم معها، بل ويتفننون فى صنع المشاكل لها وتلطيخ صورتها كل حين، بالترويج والمبالغة فى نشر عبارات مُنفلتة تخرج من أفواه بعض المتطرفين وتجار الدين لجعلها تبدو كما لو كانت تعبر عن فكر النظام الحالى، ومادة تُدبج حولها المقالات وتُسخر لها الساعات فى الفضائيات وجعلها تبدو كما لو كانت قضايا رأى عام مثلما حدث من انفلات لسانى غير أخلاقى من أحد المُدعين بالعلم بالدين تجاه إحدى الممثلات، أو ماادعته إحدى الصحف من تصريحات لقيادة إخوانية نسائية عن الختان ثبت بعد ذلك عدم صدقه.. لماذا ينشر هؤلاء مثلا وبعناوين بارزة تصريحات شاذة وغريبة لرجل مُسن فى مدينة السويس تجاوز التسعين من عمره، وأصبح لايعى تماماً مايقول لتبدو مُعبرة عن فكر سائد، وتكون مادة مثيرة للثرثرات المسائية تساهم فى تشويه صورة تيار بعينه! بالله عليكم ياسدنة الإعلام المصرى، ماذا يُضيركم لو تجاهلتم كل التصريحات الشاذة والمثيرة للفتن والانقسامات لتبقى فقط فى عقول أصحابها وفى حدود القلة التى سمعتها؟! أليست مصلحة وطنكم والتى هى فى النهاية مصلحة أولادكم وأحفادكم أكبر وأهم من كل مكسب شخصى مؤقت ومن كل غرور مهنى؟! أم أنكم كالعادة سوف تتحججون بأن هذه هى مهنة الإعلام وأسسها كما درستموها؟ ومن قال لكم إن مادرستموه هو الإعلام المحترم الحديث الذى يبنى ولا يهدم؟ تباً لكم ولما درستم!



