شريف رزق يكتب : آليات التعامل مع الآخر
التراكم هو من محددات السلوك البشرى. فى السلوك اليومى نتصرف بحكم التعود. ونحن نتعامل مع مشاكلنا كلها بنفس الطريقة حتى أنتجت نمطاً سلوكياً مشوهاً وغير واضح المعالم. فمنذ هجوم الشباب على السفارة الإسرائيلية مروراً بالسفارة السعودية ثم السورية ثم حالياً الأمريكية لم نفهم الغرض من استخدام العنف غير المبرر تجاه طرف ليس معنياً بالمشكلة أساسا، فالسفارة ممثل سياسى وليست طرفاً، وتوجد مواثيق دولية لحمايتها. فهل تقوم الدولة بدورها بحزم فى حماية السفارات؟ يقول نيوتن «لكل فعل رد فعل مساوٍ له فى المقدار ومضاد له فى الاتجاه» ومعظم ما نقوم به لا يتفق مع هذه القاعدة من حيثُ المقدار أو الاتجاه. بدءاً من أحداث ماسبيرو، محمد محمود، مجلس الوزراء، أطفيح، كنيسة إمبابة، استاد بورسعيد، كنيسة الماريناب ودهشور. ولكل حدث منها آلياته. والنتيجة موت وإصابة الكثير من الشباب بلا سبب واضح أو قضية حقيقية. والمتأمل للواقع المصرى يجد بوضوح مشكلة تواصل جلية فى معظم قضايانا. فى أحداث ماسبيرو لم يتم تواصل حقيقى بين مطالب الشباب ودور إيجابى للحكومة مع أطراف الأزمة فى كنيسة قرية الماريناب بأسوان وتطورت الأحداث لتؤدى لمقتل ما يقرب من ٢٥ مسيحياً. ولم تكن تحدث تلك الكارثة لو تدخلت الحكومة وعقدت اجتماعات جدية بحضور جميع الأطراف المعنية، لكنها أبداً لم تفعل، وقد لا تفعل. فهل يقوم الرئيس الحالى باتخاذ إجراءات تجنبنا ذاك اللبس وعدم وجود قوانين محددة لبناء دور العبادة المسيحية حتى لا تتكرر المأساة، أم أننا ننسى حتى تتكرر المشكلة؟. وينسحب ذلك على كتاب سلمان رشدى «آيات شيطانية» ورسوم الكاريكاتير المسيئة، وغيرهما، ثم الفيلم الحالى المسىء للرسول، فقد ساهم رد الفعل غير المنضبط وغير الموجه فى إلقاء اللوم على العالم الإسلامى وتوجيه التهم عوضاً عن الدفاع عنه، بل أكسب تلك الأعمال شعبية وانتشارا لم تكن تستطيع حصدهما لو كان رد الفعل منضبطاً أو منطقياً. وهل رد فعل السيد أبوإسلام، صاحب قناة الأمة، بحرق الإنجيل هو حل للمشكلة، إنه نفس الأسلوب الذى يرفضه هو، فقد استطاع مارتن لوثر كينج المناضل الأمريكى الأسود أن يجذب كثيراً من البيض بسبب خطاب التسامح وقبول الآخر، وتأمل مدى شعبية الشيخ أحمد الطيب شيخ الأزهر وسط المسيحيين المصريين نتيجة لخطابه المتسامح العقلانى. ومدى شعبية الأنبا موسى أسقف الشباب لدى المسلمين المصريين. والسؤال الآن: كيف يكون رد الفعل تجاه الإساءة للأديان عموماً؟. فى جميع الأحوال وتحت أى ظروف العنف يولد عنفاً، وهو طريق الفريق غير القادر على الحوار وتوضيح رؤيته بشكل مقنع ورصين، ولابد من إيجاد آلية حوار واتصال مع صانعى القرار والمنظمات غير الحكومية ومنظمات الحوار بين الأديان التى تدعو إلى احترام الآخر. كل معتقد هو منظومة متكاملة، تستطيع قراءته فى حد ذاته بمعزل عن تفسيرات النصوص الأخرى له، ومن ثم لديك الحق بعد ذلك أن تتفق أو تختلف لكن فى كل الأحوال لابد أن تحترم معتقدات الآخرين، ولابد من قراءة أى نص فى الظروف التاريخية المرتبطة به، وبالتالى تستطيع تفسير النص بما يتناسب مع معطياته. لا جدال أن الأمر شديد التعقيد فى جميع أنحاء العالم، لكنه يزداد تعقيداً فى المجتمعات قليلة الوعى غير القادرة على مخاطبة الآخر بنفس لغة الحوار. sherifaq@gmail.com



