أكمل قرطام يكتب : ثــقوب فى «رداء» الدستور
لا يوجد مبدأ أجلَّ أو أنبل أو أعظم تأثيراً فى حياة الدول من مبدأ سيادة القانون، حتى إن «أفلاطون» تراجع قبل موته عن إيمانه فى شبابه بحكومة «الفرد الفيلسوف»، وعن اعتقاده بأن أفضل صور الحكم هى «حكومة الفلاسفة» باعتبارهم الأقدر على معرفة سبل الخير والعدل والصلاح، وكان يرى أنه من الحماقة أن تُغَلُ يد الحكام بأحكام «القانون» الموضوع أو أن تُقيدَ بالحصول على رضاء المواطنين، لكنه بعد أن تقدمت به السنون وأنضجته التجارب، كفر بالحكم «المطلق» سواء كان الحاكم «فرداً» أو «فئة» أو «جماعة»، مهما تميزوا بالحكمة والمعرفة، وأدرك أن صلاح «الحكم» لا يكون إلا بخضوع «الدولة» للقانون، وكان تلميذه «أرسطو» من بعده من أشد المنتصرين للحكم «الدستورى السليم»، وكان كما يفهمه له ثلاثة عناصر تميزه، أولها: أن يستهدف الصالح العام وليس صالح «طبقة» أو «جماعة» أو «طائفة» بعينها، ثانيها: أن يكون حُكْماً قانونياً تُدار فيه الحكومة بمقتضى قوانين عامة أى مؤسسياً بالمعنى الحديث، وليس بموجب تَحكُّمات فردية أو فئوية أو طائفية، حتى لو كانت تستند إلى المعرفة أو القوة أو الأغلبية، وثالثها: أن يكون حُكْماً يتمتع برضاء شعبى عام،.. والذى ينظر فى أحوال الدول من حولنا، يجد أن معظم الدول التى حققت تقدماً منها، هى التى أخذت بالنظم «الدستورية الرشيدة»، ذلك أن النظام «الدستورى» هو أعظم أدوات المدنية على الإطلاق، لأنه يجعل الشعب مصدراً وحيداً للسلطات، ولا يسمح للأغلبية بالاستبداد بمصالح الأقليات، ولا يجيز للأقليات أن تتحكم فى حقوق الأكثرية، ويحيط حقوق وحريات أفراد الشعب بسياج من القانون يصعب اختراقه، فيأمن الناس شر قوانين القهر وتشريعات ولوائح التمييز، ومن ناحية أخرى يضمن الشفافية والمناقشات العلنية للسياسات العامة للدولة، ويحول دون البت فى الأمور وإصدار التشريعات فى تكتم وخفاء، ولأننا بصدد أن نُستفتى على مشروع دستور جديد، وهذا أمر جد عظيم، ولأن الشعب لم يطّلعْ على تفاصيل المناقشات الدستورية التى تدور بين أعضاء الهيئة التأسيسية فى اللجان المختلفة من قبل التوافق عليها، ولم يتمكن من معرفة توجهات الأعضاء والمفاضلة بين المقترحات، وإزاء ذلك وبصفتى فرداً من أفراد الشعب مصدر السلطات، لا أملك الآن إلا أن أتوجه إلى الهيئة التأسيسية ببعض رسائل عامة نرجو أن تأخذها فى الاعتبار: ■ استبدال كلمة «سلطة» أو «سلطات» أينما وردت بكلمة مؤسسة أو مؤسسات، «فالسلطة» قد تقوم على محض القوة، بينما «المؤسسة الدستورية» يُناط بها اختصاصات وواجبات، ومسؤولة عن القيام بوظائف ومهام، وللإيضاح يتم إطلاق اسم «المؤسسة التشريعية» على البرلمان وليس «السلطة التشريعية». ■ تطوير الديمقراطية النيابية، والارتقاء بها نحو الديمقراطية شبه المباشرة، بأن ينص الدستور على حق المواطنين فى التقدم مباشرةً باقتراحات قوانين، إذا حصل التوقيع عليها من عدد محدد من الناخبين، وعلى حقهم فى سحب الثقة من النائب عن دائرتهم بطلب موقع من نسبة محددة لا تقل عن ٥٠% من الناخبين المقيدين فى جداول الأانتخابات وقت أن أُجْرِيت. ■ النص على تحديد «النيابة فى مجلس الشعب» بحد أقصى فترتين متتاليتين، لا يجوز للنائب الترشح بعدهما، فهذا أنسب للديمقراطية الناشئة فى بلادنا، وأصلح للأجيال القادمة، حتى لا يتم احتراف التمثيل النيابى واحتكاره، ويتحول إلى مهنة لمن لا عمل له، بما يضع الأحزاب السياسية أمام مهمتها الرئيسية فى تنشئة الكوادر السياسية الجديدة لتخوض بها الانتخابات، بما يضمن التجديد فى عقل وأفكار البرلمان. ■ النص فى باب المقومات المجتمعية على القيم الأخلاقية والمثل العليا والتقاليد الصالحة، التى تتفق عليها الأمة المصرية، من قيمة الانضباط الذاتى، والعمل الشاق، والادخار والصدق والأمانة... إلخ إلخ، بما يجعل الدستور جزءاً من حياة الأمة وأسلوباً للتعامل بين أفرادها، وهناك نقاط عديدة أخرى، أهمها اختصاصات الرئيس وعلاقته بالمؤسسات التشريعية والقضائية، وهى مسائل سوف نتعرض لها فى وقتها، المهم أننا لن نوافق على مشروع دستور «قص ولصق»، يأتى ورداؤه ضيق أو مقطوع أو... بهِ «ثقوب».



