شريف رزق يكتب : ليس كما تراه أنت
يروى لنا العبقرى توفيق الحكيم الأسطورة اليونانية «بيجماليون» بطريقته هو، فى مسرحية شديدة المتعة، قطعة من الفن الخالص. فيحكى عن فنان يدعى «بيجماليون» يعشق الفن لدرجة الجنون، فالفن له هو الحياة، ما ينبض فى عروقه هو الفن، وينحت «بيجماليون» تمثالاً غاية فى الجمال لامرأة تدعى «جالاطيا»، ومن شدة حبه للتمثال يطلب من «فينوس» إلهة الحب والخصب عند اليونان أن تحول التمثال إلى حقيقة، وتصبح «جالاطيا» امرأة عادية تكنس وتمسح وتطبخ، فسئم الفنان رؤية الفن الكامل يتحول إلى تلك المرأة العادية، وتتحدى الآلهة أن تعيدها له مرة أخرى، فقبلت الآلهة التحدى وأعادتها إلى تمثال.
وهنا يتمنى «بيجماليون» أن يعود التمثال إلى الحياة مرة أخرى، ويطلب من الآلهة، لكن دون جدوى! ويغضب «بيجماليون» ويحطم التمثال ويضيع كل شىء. يقول الصينيون «احذر ما تتمناه لأنه قد يتحقق»، يا ليت «بيجماليون» استمع لنصيحة الصينيين فلم يتمن دون أن يدرك الفرق بين الفن والواقع. فالزوجة أو الزوج واقع وليس قطعة فنية، فقط المراهقون يتمنون الزواج من النجوم والنجمات، لكن كيف نراهم فى السينما ليس هو الواقع ولا يقترب حتى منه.
لم يدرك من حطم تماثيل «بوذا» الفارق بين الفن والحياة. لم يدرك عبدالله بدر الفرق بين فن السينما والحياة. وفكرة السياق هى التى تفسر أى سلوك بشرى. ففى السياق الفنى يكون التقييم فنياً وليس أخلاقياً، ولو أراد أحد أن يقوم بذلك مثل عبدالله بدر فعليه أن يستخدم ألفاظ تقييم، وليس إهانة للآخرين. الفن بالأساس عمل جمالى يدركه الدارس لعلوم الجمال والمحب للفنون، والفن قادر على أن يقترب من الناس، ويمس مشاعرهم ويجعلهم أكثر رقة، حتى حين نختلف، لن نهين الآخر، بل سوف نتفهم فكرة نسبية الرؤية.
يقول هرب كوهين، كبير المفاوضين للرئيس الأمريكى الأسبق جيمى كارتر: «أنا وأنت نرى الأشياء ليست كما هى، بل كما نحن عليه»، وهذه حقيقة كونية، لو أدركها الجميع لما بغض أحد الاختلاف، يوجد بالعالم كثير من الأجناس والأديان، ولو أراد كل صاحب مذهب أن يفرضه على الجميع باعتباره الحق المطلق وما يعتقدون فيه لهو ضلال مبين، لزادت كوارث الحياة.
حجر الأساس فى بناء علاقات صحيحة هو احترام الآخر واحترام ما يعتقد هو أنه مقدس، حتى ولو اختلف جوهرياً مع ما تعتقده أنت، وببساطة لأن ما يعتقده هو فى سياق معتقداته مقدس لديه وليس جزءاً من معتقداتك أنت، فلا ينبغى هنا أن تشعر بضلاله، بل فى هذه الحالة تعترف باختلافه وأنت تؤمن بشىء مغاير، فى سياقك أنت. والاختلاف هو الجوهر الحقيقى الذى تبنى عليه الحياة. الآخر المختلف عنك ينظر إلى نفس الشىء الذى تنظر أنت إليه، وقد يقدسه أو يحترمه وقد لا يعنى أى شىء لك. وهذا الاختلاف هو روح الحياة.
الحق فى الاختلاف أحد أهم حقوق الإنسان، أن تختلف عما هو سائد، أن تقرر ماذا تريد فى تلك الحياة، ولا يصح أن يعبث آخر بما ترى أنت أنه صحيح. ومن حقك أن تغير ما تعتقد اليوم أو غداً، ثم تتراجع عن هذا وذاك وتبدأ من جديد، طالما تعتقد بضمير صالح أن ما تقوم به هو ما ينبغى عليك القيام به، الحرية فى الاختيار هى ما تجعلنا ما نريد، وليس ما يريده لنا الآخرون. فلو لم تقم به اليوم، فمتى إذن؟.
سوف يستمر فى الفن فقط العاشقون للفنون، وسوف ينسحب جميع المتاجرين بالفنون. سوف يبقى فقط الفنان الحقيقى. تحية لكل العاشقين.
sherifaq@gmail.com



