عبدالرحمن فهمى يكتب : بندقية عبدالحكيم عامر.. والصحافة
فى الستينيات.. حيث كانت كرة القدم هى الشغل الشاغل للرأى العام فى مصر.. بل على وجه التحديد كان «الأهلى» و«الزمالك» هما أشهر ما فى البلد.. التليفزيون والأغانى والأفلام والمسلسلات كلها تتسابق على إشراك اللاعبين والمباريات.. كان البلد مهووساً بحاجة اسمها كرة القدم.. فى ظل غياب الأحزاب وعدم الكلام عن السياسة قط، وهجرة الناس بعيداً عن السلطة العسكرية الغاشمة والمعتقلات وزائرى الفجر وغيرهم. فى هذا الجو.. كان الصراع على كراسى الرئاسة فى كل من «الأهلى» و«الزمالك» على أشده. كان المرحوم محمد حسن حلمى، رجل الزمالك الأول، من الصعب أن تزحزحه عن كرسى الرئاسة.. ولكن استطاع ذات مرة أن يفوز المهندس حسن عامر شقيق المشير عبدالحكيم عامر برئاسة النادى.. فأراد حسن عامر أن يثبت وجوده ويزيد من شعبيته فاستولى على الأراضى الفضاء الشاسعة حول النادى من كل اتجاه، وتوسع النادى كثيراً وبدأ مشروع البوتيكات فى سور النادى، وقيل يومها إن المشروع سيدر ذهباً وفضة! وأيضاً أمان للنادى المترامى الأطراف. لذا اجتمع مجلس إدارة «الأهلى» برئاسة الفريق أول عبدالمحسن كامل مرتجى، وقرر أن يتقدم للمشير عبدالحكيم عامر، رئيس اتحاد الكرة ونائب أول رئيس الجمهورية، بطلب ضم أرض المعارض بالجزيرة القريبة جداً للنادى الأهلى.. بينهما شارع فرعى ضيق.. خاصة أنه فى نفس العام تم نقل معرض القاهرة إلى أول شارع صلاح سالم.
كنا على يقين بأن المشير سيوافق.. بل بدأنا التفكير فى كيفية ضم أرض المعارض للنادى. كان التفكير فى الموضوع مستمراً إلى أن فوجئنا برد محافظة القاهرة بأن الأرض استولت عليها وزارة الثقافة التى بدأت تبنى معرض القبة السماوية!!
من شدة غيظى يومها كتبت عموداً فى «الجمهورية» يروى الحكاية.. وقلت خلاله:
إذا كان أحدنا من إحدى الأسر التى تحكم هذا البلد.. أو يملك بندقية أخيه، ما كان أحد يستطيع أن يرفض طلبنا. قامت الدنيا ولم تقعد.. خاصة بسبب حكاية «بندقية أخيه» بالذات..
فكر الأخ حسن عامر- رحمه الله- فى أن يرفع جنحة مباشرة ضدى.. ولكن نصحه البعض بأن القضية حبالها طويلة وفيها استئناف وخلافه.. الحل الحاسم الجازم البات الباتر هو.. مجلس تأديب بنقابة الصحفيين الذى يملك وقف كاتب هذه السطور عن العمل من ستة أشهر إلى عامين مع غرامة ضخمة جداً.. كما يملك المجلس شطبه من الجدول. ثم مجلس التأديب مفروض أن ينعقد فى ظرف يومين كما تنص اللائحة.. فهذا هو العقاب الرادع السريع. فوجئت بخطاب من النقابة يخطرنى بالمثول أمام مجلس التأديب بعد ٤٨ ساعة!! مجلس تأديب إيه؟.. هوه فيه فى النقابة حاجة زى كده؟ ولماذا؟
ذهبت إلى النقابة وأنا فى شبه ذهول.. مشتت العقل.. لا أرى ما أمامى!!
انعقد المجلس كما تنص اللائحة برئاسة أحد مستشارى مجلس الدولة يختاره رئيس المجلس ومعه وكيل نيابة يختاره النائب العام وثالثهما سكرتير عام النقابة.. وكان أيامها المرحوم إبراهيم البعثى. سألنى رئيس المجلس: أين محاميك؟ وبعد جهد كنت ألم فيه نفسى وعقلى المشتتين قلت: «كانت مفاجأة ولا أعرف إيه الحكاية».
وقف ممثل الاتهام يقرأ نص شكوى الأخ حسن عامر وفى نهايتها يطالب بعقابى بأى من العقوبات المنصوص عليها ولم يحدد أياً منها. ثم انحنى رئيس المجلس على المنصة، وهو يقول لى بأبوة وشفقة واضحين:
هل تريد أن تعقب على هذا الكلام، أم نؤجل الجلسة للغد، لكى تحضر معك محامياً؟! لم أستطع أن أجيب عن السؤال.. ولكنى قلت باختصار شديد، وأنا أحاول أن أحبس دموعى: لقد كتبت منذ عام ١٩٥٤ فى الصحف أكثر من هذا بكثير.. ولم يحدث لى هذا الموقف. وانحبس الكلام فى حلقى.. وتم رفع الجلسة فوراً للمداولة.. وعادت للانعقاد بعد ربع الساعة تقريباً ليقول لى رئيس المحكمة:
- قرر المجلس براءتك من تهمتى السب والقذف، فالمجلس يرى أن المقال مكتوب «بأسلوب رشيق لعوب» كعادة الكاتب فى كل مقالاته.
هذا نص ما قاله رئيس المجلس.. بالحرف!
وكان أول وآخر مجلس تأديب فى نقابة الصحفيين! منذ عام ١٩٤٢!
وأعود وأكرر:
الحل الوحيد لعدم حبس الصحفيين هو النص صراحة بأن «جرائم النشر» ينظرها مجلس التأديب بنقابة الصحفيين.. فهل نفعل؟!



