د . طارق الغزالى حرب يكتب : تطوير المستشفيات لا تأمينها هو الفرق بين الجد والهزل
الحديث هذه الأيام لا ينقطع فى وسائل الإعلام المختلفة عن التهديد الذى يتعرض له الأطباء فى أماكن عملهم بالمستشفيات من قِبل من يسمونهم بالبلطجية، سواء بالتعدى عليهم جسدياً ومعنوياً، أو بتحطيم كل ماتصل إليه أيديهم من أبنية وأجهزة وأثاث بالمستشفى، إلى الدرجة التى صرح فيها نقيب الأطباء فى حديث له بصحيفة «الأهرام» يوم ٣٠/٨ بأن المستشفيات قد أصبحت هدفاً للبلطجية والخارجين على القانون، وهو قول فى الحقيقة أستغربه ولا أتصوره أبداً، فكيف يكون المكان الذى يلجأ إليه إنسان بقدميه أياً كانت صفته وأخلاقه طالباً الغوث والمُداواة، هدفاً لأعمال بلطجة وإجرام؟! نتج عن تكرار الحديث عن هذا الموضوع فى وسائل الإعلام، وتحركات نقابة الأطباء ووزير الصحة أن قرأت العديد من المقترحات لمجابهة ما أسموه هذه الظاهرة، بعضها يثير العجب، وبعضها يثير الضحك والسخرية، وأخرى تثير الغثيان والقرف! وكمثال لما يثير العجب هو الاقتراح الذى نتج عن لقاء وزيرى الداخلية والصحة ونقيب الأطباء بإنشاء إدارة جديدة بوزارة الداخلية لتأمين المستشفيات، وكأن وزارة الداخلية تنقصها إدارات جديدة فى الوقت الذى نطالب فيه هذه الوزارة بالتخفف من الكثير من المهام الثانوية المُلقاة على عاتقها وإلغاء العديد من الإدارات التى تُشتت جهودها.. أما مايثير الضحك فهو الاقتراح الذى قرأته ضمن تحقيق بصحيفة الأخبار عن ذات الموضوع يوم ٢٦/٨ منسوب لمن يسمونه «خبير أمنى» طرح فيه رأيه فقال بالحرف كما هو منشور: «الحل الأسرع الآن لتأمين المستشفيات هو وضع أسلاك شائكة على أبواب أقسام الطوارئ لتحصينها من الاعتداءات، وأن يوضع على أبواب أقسام الطوارئ منشور يُكتب فيه أن كل من يحاول الاعتداء على المستشفى فإن لرجل الأمن الحق فى التصدى له وإطلاق الرصاص الحى عليه، وهى رسالة تخويف، وأن على وزارة الداخلية دوراً كبيراً فى تسليح أفراد الأمن بمعدات وأسلحة حديثة وتدريبهم على استخدامها وإقامة أبراج حراسة على أسوار المستشفيات مع وجود دوريات أمنية تقوم بالمرور على المستشفيات»! وأما مايثير الغثيان والقرف فهو مانُشر عن أن بعض المستشفيات بدأت بالفعل بالاستعانة ببلطجية من الأماكن القريبة لها لتأمينها حيث إنهم - كما جاء بالخبر - أعلم بأشخاص البلطجية بالمنطقة وطريقة التعامل معهم! كل هذه الأمثلة من المقترحات التى ذكرتها تندرج فى رأيى تحت بند الهزل الذى لا يفيد، وتُظهر طريقة تفكيرنا السطحية فى إدارة الأزمات التى يبدو أن الثورة لم تغير فيها شيئاً، وذلك بالتعامل مع الأعراض والقشور والبُعد عن مواجهة أصل الداء والبلاء. ليس من المعقول ولا المنطق يا سادة أن يعتدى إنسان طبيعى على من يُقدم له أو لأحد أقاربه أو معارفه العون ويحاول تخفيف آلامه، وربما إنقاذ حياته.. إذن ما الذى يحدث حتى يتحول هذا الإنسان الطبيعى إلى وحش هائج يضرب ويسب ويحطم؟ بالتأكيد فإن هؤلاء البشر قد لمسوا قصوراً شديداً فى طريقة تعامل أقسام الاستقبال بالمستشفيات فى أى جزء من سلسلة العمل المُفترض أن تُكمل بعضها بعضاً، بدءاً من العاملين على بوابة المستشفى والمُكلفين بنقل المريض مروراً بموظفى الاستقبال والأمن وانتهاءً بطاقم التمريض والأطباء. لابد لوزارة الصحة والنقابة أن يعترفا أولاً بأن هناك نقصاً واضحاً فى الكوادر المؤهلة لإدارة المستشفيات وفى الشخصيات القيادية التى تصلح لتولى هذه المناصب، وهو جزء من الأزمة العامة التى تواجه المسؤولين فى جميع قطاعات الدولة على المستوى الحكومى، وهى بالتأكيد إحدى نتائج عصور الفساد والقهر والمحسوبية التى عانى وطننا منها طويلاً.. ولابد ثانياً أن نعترف بأن كل الكوادر العاملة بالحقل الطبى تحتاج إلى المزيد من التدريب سواء على المستوى الفنى التخصصى أو على مهارات التواصل مع المرضى وذويهم.. ولابد ثالثاً أن نُسلم بأن الأمل فى خلق أجيال متميزة من الأطباء والمهن المُساعدة يكونون على المستوى المطلوب لتحمل أعباء الوظيفة الإنسانية الخطيرة التى يقومون بها بإخلاص وتفانٍ واستعداد للبذل والعطاء، هو محض أوهام فى ظل الرواتب المُتدنية المُزرية التى يتقاضونها الآن، والتى لايوجد مثيل لها حتى فى أكثر بلاد العالم فقراً.. ولابد أخيراً أن ندرك أن أقسام الطوارئ بالمستشفيات غير مُجهزة على أسس علمية سليمة وتنقصها الإمكانات الأساسية التى تتيح التعامل بسرعة وكفاءة مع الحالات الطارئة نتيجة النقص الهائل فى التمويل، وهى وصمة عار ومُبرر للاستفزاز يُحيل الإنسان الهادئ إلى شيطان تتراقص أمام عينيه عفاريت ووساوس ما يمكن أن يحدث للمريض نتيجة مايراه أو حتى يظنه من إهمال وتسيب ولامبالاة. بالله عليكم ماذا يجدى مع هذا الإنسان، الكاميرات التى يريدون تزويد المستشفيات بها لتصوره وهو فى هذه الحالة؟! كفاكم سُخفاً ياسادة وأنفقوا الأموال فى مواضعها الصحيحة.



