« أكمل قرطام يكتب : عبقرية مصر»
ميز الله مصر بعبقرية المكان، ولكن الأهم أن شعبها تمتع بعبقرية ثقافة الدولة عبر الزمان، وسيظل أهلها فى رباط إلى يوم الدين كما قال خاتم المرسلين «صلى الله عليه وسلم»، فلا فتن تفرقهم، ولا نوازل تُقَسمهم، وثورة ٢٥ يناير خير دليل، وإن كانت اشتملت على بعض الموجات المضادة، حاول بعض المستفيدين من النظام القديم والطامعين فى النظام الجديد تهييجها، إلا أنها سرعان ما انكسرت على جدار «ثقافة الدولة» الكامنة فى الشخصية المصرية من قديم الأزل، والذى يُوجِّه نظره شطر الشام يتمزق قلبه على الحاصل فيها الآن، فلا وجه للمقارنة بينه وبين «الثورة المصرية» التى على سلميتها جعلت رئيس الدولة يتنحى فى ١٨ يوماً، وأظن أنه فعل ذلك باختياره، فلم يحاول قلب قيادات القوات المسلحة على الثورة، وأتصور أنه لو كان حاول ذلك ما استجابوا له، ولو أجابوه ما أطاعهم الجيش، والسبب الحقيقى «ثقافة الدولة» المتأصلة فى المصريين شعباً وجيشاً، لم يهرب الرئيس المخلوع ولم يرحل، على الرغم من تلقيه - كما سمعنا - دعوات من دول عديدة للجوء إليها، ولعل ما منعه هو «ثقافة الدولة»، فلو كان فعلها لجعل «أقدم دولة» فى التاريخ تبدو كأنها «دويلة» كانت مختطفة، ووضعها موضع الخزى والمعرة، و«ثقافة الدولة» هى التى تجعل مصر تصبر على السوء، وتمنح «إدارتها» الفرصة تلو الفرصة، دافعها فى ذلك الحفاظ على فكرة الدولة، فإذا ما أجمعت أمرها على فساد النظام وفشله، فإنها لا تأبه فى سبيل إسقاطه مغبة، دون أن تصل إلى حد «الفتنة»، يمنعها من الوصول إليها «ثقافة الدولة»، ولأن القضاء قد حكم ببراءة الرئيس السابق من إصدار أوامر بقتل المتظاهرين فلابد أن نعطيه فى هذه الواقعة حقه، ونعترف بأنه لم يحاول إدخال البلاد فى «فتنة»، وإن كان ذلك لا يعفيه من قضايا أخرى، أقول ذلك وأنا - على خلاف كثير من المهتمين بالسياسة - لم أعرف الرئيس السابق، أو أحداً من ابنيه أو معاونيه أو رئيس وزرائه أو وزرائه أو القيادات الفاعلة فى حزبه وأمانة سياساته أو حتى رجال أعمال نظامه أو إعلامه لا شكلاً ولا موضوعاً، لا أذكر ذلك طعناً فيهم، فأنا ـ كما قلت ـ لم أعرفهم، ولكن حتى لا يتصور من فى قلوبهم مرض شيئاً، يحق لى أن أذكر أنى رفضت أن ألبى دعوته لحضور الجلسة الافتتاحية لانعقاد الدورة البرلمانية عام ٢٠١٠ إعمالاً للمادة ١٠١ من الدستور، التى كنت قد طالبت بتعديلها مع مواد عديدة، كانت كلها تُكرس لهيمنة الرئيس على السلطات الأخرى، نُشرت فى «المصرى اليوم» فى عشر مقالات كاملة، وكنت أدهش عندما أرى مواقف معارضين ومناضلين سياسيين، أفراداً وأحزاباً وجماعات، وعقدهم الاتفاقات والصفقات فى السياسة والتجارة والإعلام وعلى مقاعد البرلمان، ومن مدى قربهم من رجال السلطة، وأنا لا أقصد أن أتهم أحداً، فقد أراحنى أننى وجدت تبريراً لمواقفهم جميعاً فى رد «الشعْبى» عندما أُخذَ عليه كثرة التردد على مجالس «الحاكم»، فقال إنها فى مَنْزِلَة «الكَنيف» يدخله «لقضاء حاجته» ثم يخرج، فلعل رغبة المعارضين فى «قضاء حاجتهم» فى الإصلاح والقضاء على الفساد ورفع المعاناة عن العباد والضُّر عن البلاد كانت دافعهم للتقرب من النظام لعقد الاتفاقات، ليتمكنوا من خلالها من إعلان آرائهم وتطبيق بعض أفكارهم، والله أعلم بعد ذلك بالنيات، أما بالنسبة للاقتتال فى سوريا فأنا ألوم الرئيس المصرى على الاكتفاء بإدانة النظام القمعى فيها دون أن يدين الدول التى عَمِلَت على تحويل الثورة السلمية إلى «فتنة» قد تؤدى إلى انقسام سوريا إلى دويلات عدة، بأن أغدقت المال والسلاح على المدنيين وأرسلت المحاربين المرتزقة إلى هناك. أما لماذا لم ولن يحدث ذلك فى مصر أبداً، فإنها «ثقافة الدولة».. وأمتن للرئيس السابق الذى لم يسع إلى إدخال البلاد فى مثل هذه النكبة التى تمر بسوريا، وأقول له كما قال عمر بن الخطاب لأبى مريم الحنفى: «والله لا أحبك»، فقال له أبومريم «أو ينقضنى ذلك حقاً لى»، فرد عمر فوراً وقال «لا»... «وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآَنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى».



