ياسر عبدالعزيز يكتب : امتحان حرية الصحافة
■ هل تخطئ الصحافة؟ - نعم تخطئ الصحافة كثيراً، كما يخطئ سياسيون، وأطباء، وعمال، ودعاة، ومحامون، وقضاة، وغيرهم. ■ هل تمثل أخطاء الصحافة خطورة كبيرة؟ - نعم بالطبع، لأن الصحافة تنقل إلى الناس المعلومات، وتؤثر تأثيراً بالغاً فى اتجاهاتهم، وتسهم فى صناعة الرأى العام، لذلك يجب الحد من أخطاء الصحافة وتجاوزاتها، وفى الوقت نفسه ينبغى الحفاظ على حريتها وعدم تقييدها بأى حال من الأحوال، لأن صيانة حرية الصحافة مصلحة عامة، واستدامتها - رغم أخطائها - ضمانة لعدم الوقوع فى أسر الفساد والطغيان. ■ ماذا تفعل المجتمعات الحرة الرشيدة لتنظيم أداء الصحافة، بشكل يحافظ على حريتها، ويحمى الجمهور والمصلحة العامة من انفلاتاتها فى آن واحد؟ - التنظيم الذاتى للصحافة هو الحل الذى اتفقت عليه المجتمعات الرشيدة حيال الصحافة بعيداً عن الحبس والمصادرة والإغلاق والترويع والاغتيال المادى والمعنوى للصحفيين وصحفهم. المجتمعات الرشيدة لا تذبح الصحافة لأنها تخطئ، ولا تتركها تخطئ من دون مراجعة. ■ كيف نبدأ فى تنظيم الصحافة ذاتياً فى مصر؟ - نبدأ عبر مادة دستورية يجب أن يتضمنها الدستور، تقول المادة: «تدعم الدولة التنظيم الذاتى لقطاع الصحافة، بما يضمن حريته، ويحمى مصالح الجمهور والمصلحة الوطنية وقيم العمل الصحفى الرشيد فى آن واحد». على أن يأتى هذا «الدعم» عبر تشجيع الدولة جهود أطراف صناعة الصحافة، خصوصاً الجماعة الصحفية، ممثلة فى «نقابة الصحفيين»، لإنشاء وتطوير وإدامة «مجلس الصحافة»، الذى يتلقى إخطارات صدور الصحف، وينشئ الأكواد المهنية، ويُخضع الأداء الصحفى للمتابعة والتقييم والتطوير، ويتلقى الشكاوى من الجمهور والأطراف المختلفة فى حق أنماط الأداء الصحفية، ويبت فيها، ويتخذ إجراءات بحقها. ■ هل لهذا المجلس مثيل فى دول العالم المتقدمة؟ - بالطبع، ستجد مثيلاً لهذا المجلس فى كل دولة متقدمة، لكن الأهم من ذلك أن كثيراً من الديمقراطيات الناشئة والدول النامية بات يمتلك مجالس مشابهة. ■ كيف يتم تشكيل هذا المجلس؟ - يتكون المجلس من ١٢ عضواً ورئيس، وتساعد «نقابة الصحفيين» إجرائياً وفنياً فى تشكيله، حيث يختار الناشرون وملاك الصحف بمختلف أنواعها اثنين من الأعضاء، ويختار رؤساء التحرير اثنين آخرين، ويختار مجلس نقابة الصحفيين أربعة أعضاء من كبار الصحفيين من غير أعضائه، إضافة إلى اثنين من أساتذة وباحثى الصحافة من الأكاديميين، واثنين من ناشطى المجتمع المدنى المهتمين بحرية الرأى والتعبير، وعضو يرشحه المجلس الأعلى للهيئات القضائية. وينتخب الأعضاء الـ١٣ رئيساً لهم من بينهم، وتكون مدة المجلس ثلاث سنوات. ■ ما اختصاصات «مجلس الصحافة»؟ - ينشئ «مجلس الصحافة» الأكواد المهنية، ويسهم فى إعداد «مواثيق الشرف» وتطويرها وتعميق الالتزام بها، ويعمل على تطوير المهنة والصناعة، ويتلقى إخطارات الصدور، ويضمن نشر بيانات ملكية الصحف وأسماء المساهمين فيها، ويجرى بحوث التحقق من الانتشار، وينشئ آلية شفافة لتلقى الشكاوى من أصحاب المصلحة فى حق أنماط الأداء الصحفى المثيرة للجدل، ويوفر خبرات فنية ومهنية وقانونية للبت فى الشكاوى، وإبلاغ أصحابها بالنتيجة فى فترة ملزمة معلنة، ويوقّع عقوبات فى حق أنماط الأداء المسيئة، وينشر تقارير دورية، ويقيم ندوات ومؤتمرات وورش عمل يعلن خلالها عن أنشطته، ويفضح انتهاكات المتجاوزين، ويشيد بالتزام المجيدين. ■ ما العقوبات التى يتخذها المجلس فى حق المخطئين والمتجاوزين؟ - الإنذار، ولفت النظر، والإلزام بنشر الرد والاعتذار والتصويب، والعقوبات المالية المتدرجة، والتى تصبح فادحة وموجعة فى حال تكررت الأخطاء دون نية للإصلاح، والتوقيف المؤقت عن مزاولة المهنة للصحفيين المدانين. ■ ما العقبات أمام إنشاء «مجلس الصحافة»؟ - البعض يريد ذبح الصحافة وتدجينها وتقييدها لخدمة مشروعه، والبعض يريد إبقاء الوضع منفلتاً من دون أى مراجعة أو حساب لتحقيق مكاسب مالية أو سياسية، والبعض لا يفهم فكرة «التنظيم الذاتى» للصحافة، أو لا يريد أن يفهمها. ■ هل يمكن أن نتوقع تعاملاً إيجابياً مع تلك الفكرة عبر تطبيقها، أو دراستها، أو تعديلها، أو تطويرها فى وقت قريب؟ - لا بالطبع، وكالعادة، سنسمع من يقول: «الصحافة والصحفيون مجرمون كاذبون يستحقون الحبس»، أو «كيف نحل مشكلة الصحافة؟»، أو «لماذا ١٣ عضواً وليس ١٥؟»، أو «اتركوا الصحافة كما هى».. كما سنسمع كلاماً آخر كثيراً، لكن ليس منه: «تعالوا ننشئ مجلس الصحافة».



