عبدالرحمن فهمى يكتب : حبس الصحفيين.. بين الأمس واليوم
نعم.. نعم.. منذ أحضر نابليون بونابرت أول مطبعة إلى بر مصر على إحدى بوارجه.. والصحفيون والسياسيون معرضون لبطش السلطة والسجن. على فكرة كانت مطبعة نابليون فى حى الأنفوشى بالإسكندرية وكان سليم تقلا وبشارة تقلا صاحبى جريدة «الأهرام» منذ عام ١٨٧٥ يحملان على كتفيهما الصفحات الرصاص ويذهبان إلى الأنفوشى لطبع جريدة الأهرام، التى كان مقرها شقة أكثر من متواضعة فى حى محرم بك!! ثم تطورت إلى أن أصبحت «الأهرام» كما نراها الآن. نعم.. كان الصحفيون والسياسيون يتم الحكم عليهم بالسجن.. ولكن فى أى سجن؟ كان هناك ما يسمى سجن الأجانب.. كان فى تقاطع شارعى رمسيس وعماد الدين، مكان محطة بنزين التعاون الآن.. لم يكن سجنا.. بل قل فندقا.. عبارة عن أربعة أدوار غير صالة ضخمة بكل هذه المساحة الواسعة فى الدور الأرضى.. يكفى أن تعرف أن الرصيف أمام باب السجن عليه سجادة حمراء ويقف على طرفيها جنديان.. فضلا عن بدروم للمطبخ أو باب خلفى ليدخل منه الطباخون والمساعدون والفراشون للتنظيف.. السلم طوال الأربعة أدوار عليه مشاية حمراء فاخرة.. كل الأدوار الأربعة عبارة عن حجرات نوم عادية فى داخل كل حجرة دورة مياه محترمة!! الزيارة مفتوحة حتى غروب الشمس.. كل ما هو مطلوب من الخارج ممكن أن تحضره الأسرة أو أى فراش.. ثم المطبخ يقدم أكلات محترمة.. عاصرت بعض كبار الصحفيين الذين دخلوا هذا السجن.. أشهرهم عباس محمود العقاد، الذى قال فى مجلس الشيوخ: سنحطم أكبر رأس فى هذا البلد! فأخذ فى هذه العبارة ستة أشهر حبسا!! دخل هذا السجن أيضاً كل الصحفيين المشهورين وغير المشهورين.. الدكتور محمد مندور ومحمود أبوالفتح وجلال الحمامصى ومحمد التابعى.. بل دخلته أيضا السيدة روزاليوسف!! حتى الدكتور محمود عزمى الذى أصبح فيما بعد مندوب مصر فى هيئة الأمم المتحدة ولكن كان صحفيا مرموقا.. دخل هذا السجن أيضاً.. ولكن أشهر مسجون كان فتحى الرملى، أشهر وأعمق كاتب يسارى ليبرالى والد السيناريست المشهور لينين الرملى.. كان يخرج فتحى الرملى من السجن ليعود إليه بعد أسابيع أو على الأكثر أشهر!! تزوج فتحى الرملى وهو مسجون.. كيف؟ كان يتلقى بعض المأكولات والكتب والصحف من الخارج دون أن يعرف من المرسل؟ ثم أصر أن يكتشف هذا الذى يشفق على وحدته داخل السجن.. وأخيراً التقى بفتاة جميلة رشيقة فى عز شبابها مثقفة لأبعد الحدود قرأت كل مقالاته وكتبه.. فكان الحب الرائع.. إلى أن انتهزا خروجه من السجن وخوفا من العودة السريعة إليه تزوجها على سنة الله ورسوله فى فندق البسفور «إذا لم تخونى الذاكرة الذى كان فى محطة مصر بجوار السجن خوفاً من العودة السريعة إلى السجن!» فتحى الرملى قصة.. هذا الليبرالى اليسارى حتى النخاع.. ما إن اتجهت الدولة إلى روسيا وخروشوف والسد العالى فى أواخر الخمسينيات وأصبحت الشيوعية «سبوبة» للجهلاء والمنافقين وكدابى الزفة حتى اعتزل فتحى الرملى الكتابة سواء فى الصحف أو الكتب.. محترما نفسه وقلمه.. رحمه الله. ■ ■ ■ أعود إلى ما يثار الآن حول إلغاء سجن الصحفيين، شبعنا وعودا! منذ أيام المخلوع والوعود تترا بالنص على عدم سجن الصحفيين ثم نجد إبراهيم عيسى فى السجن!. وقرار الرئيس مرسى بإلغاء الحبس الاحتياطى.. طيب ماذا عن الحبس غير الاحتياطى؟! هل تريدون الحل النهائى؟ الحل الذى طالبنا به سنوات طويلة هو أن تكون جرائم النشر من اختصاص «مجلس التأديب التابع لنقابة الصحفيين.. وعقوبات هذا المجلس قاتلة.. الوقف عن العمل من ستة أشهر إلى سنة.. وعقوبة الشطب من جدول النقابة فيموت الصحفى جوعاً!! مع غرامة ضخمة على الصحيفة!» انعقد مجلس التأديب هذا مرة واحدة فى تاريخ النقابة منذ إنشائها عام ١٩٤٢ حتى يومنا هذا!! كان المتهم هو كاتب هذه السطور.. فى قصة مثيرة للغاية.. فإلى العدد القادم بإذن الله تعالى لو كنا من أهل الدنيا.



