عزت القمحاوى يكتب :إخوانى.. الحكاية مش حكاية القرض
اعتبر الكثيرون أن التفاوض مع البنك الدولى من أجل الحصول على قرض جديد دليل على عدم حدوث تغيير فى السياسات الاقتصادية بين عهدى مبارك ومرسى، أو بين الحزبين: الوطنى والحرية والعدالة.
وقد يبدو هذا الموقف من القرض متشددًا للوهلة الأولى؛ فالحصول على قرض خارجى إجراء يمكن أن تضطر إليه حكومة وطنية، بشرط أن يكون هذا اللجوء للاقتراض الخارجى هو الإجراء الوحيد الممكن بعد استنفاد المصادر الوطنية.
ولكن حكومة قنديل لم تستنفد المصادر الوطنية وأولها إعادة المنهوب وثانيها الاقتراض الداخلى، وكان من الممكن النقاش حول الجدوى الاقتصادية للقرض، لكن الجدل اتخذ منحى فقهيًا فى تأكيد جديد على أن لعبة الثلاث ورقات فى السياسة لم تتوقف.
ليست سنوات مبارك الأخيرة ببعيدة. وكانت إحدى معضلاتها الأساسية هى: هل حكومة نظيف هى حكومة الحزب الوطنى أم أن الحزب هو حزب حكومة رجال الأعمال؟! وانتهت حقبة مبارك دون أن نعلم أيهما يُسيّر الآخر، وكانت لعبة الثلاث ورقات هذه هى التى سمحت لزكريا عزمى بأن ينتقد الحكومة تحت القبة.
والآن، لم تعد اللعبة تقتصر على حكومة الحزب وحزب الحكومة، فترصيع الحكومة ببعض الأسماء يعطى حزب الحرية والعدالة الفرصة لنفى علاقته بالحكومة أو إثبات هذه العلاقة عندما تقتضى المصلحة، كما أن الحزب نفسه ابن الجماعة وليس ابنها حسب المصلحة، والرئيس ابن الجماعة عندما تقتضى الضرورة ورئيس مصر كلها عندما تقتضى اللياقة الإعلامية.
وقد تجلت هذه اللعبة فى الجدل الدائر حول القرض بشكل يدعو إلى اليأس، حيث يتبادل المتحدثون الهروب من موقع إلى موقع بينما يتمسكون بما يعتبرونه الشريعة. وهذا الاستقواء بالسماوى لم يهزم فقط المعارضة الأرضية للجماعة وتوابعها، لكنه راكم تلالاً من الفتاوى لإثبات شرعية قرض مشكوك فى جدواه الاقتصادية.
ولا يمكن تبرئة التيارات الأخرى من السعى إلى وضع القرض على أرضية دينية، حيث كتب الكثير من الصحفيين وناشطى الإنترنت عن تناقض الاقتراض الجديد مع ثوابت جماعة الإخوان فى تحريم الاقتراض.
وما كان من الجماعة إلا أن حشدت فقهاءها والفقهاء الذين بجوار فقهائها لإثبات أن القرض يقع فى باب الضرورات التى تبيح المحظورات. وهذه القاعدة الفقهية تكفى بالمناسبة لجعل الجدل حول القرض آخر جدل فقهى، وأن نخرج الدين من النقاشات السياسية تمامًا احترامًا للدين قبل الدنيا؛ فكل إجراء جديد يمكن تبريره بالضرورة. والاستمرار فى لعبة الثلاث ورقات سيجعل الإسلام موظفًا فى الروتين الحكومى نحصل على توقيعه عندما نريد، وهذه إهانة للدين وتضييع للدنيا.
والحق أن الجماعة لم تركن إلى الفقه وحده؛ فنشرت كوادرها لمحاولة إيجاد تبريرات اقتصادية جاءت كلها تلفيقًا فى تلفيق، وتحت قاعدة الهروب الأساسية كان المتحدث يتنصل من المسؤولية كلما واجه سؤالاً صعبًا: اسألوا الحكومة، أنا أتحدث عن الحزب، أو اسألوا الرئيس أنا أتحدث عن الجماعة!
وبخلاف ذلك جرى التدليس الاقتصادى على قاعدتين، الأولى قاعدة «الضرورات» حيث يدعى متحدثو الإخوان دون دليل أن القروض أيام مبارك كانت بلا ضرورة اقتصادية لكنها الآن ضرورية جدًا. والقاعدة الثانية أخونة البنك الدولى!
عبدالله شحاتة رئيس اللجنة الاقتصادية لحزب النور اتفق مع طرح يسرى حماد (حزب النور) فى أن الفائدة التى فرضها البنك «مصاريف إدارية». شحاتة تساءل فى برنامج بقناة «بى بى سى» العربية: «هو فيه قرض فايدته ١.١ %؟!»، وهذا التساؤل الاستنكارى يريد أن يوحى للمشاهد بأن هذه الفائدة خاصة بهذا القرض فقط.
وحتى الآن لم يزل ساتر الدخان الدينى يغطى على الأسئلة الاقتصادية حول ضرورات الاقتراض الجديد، حيث لم تعد الحكاية تخص القرض تحديدًا، بل هذا النوع من الدجل السياسى المكشوف الذى لا يصدقه إلا المنخرطون فيه للأذقان، تمامًا مثلما كان الأمر أيام المستريح فى محبسه الطبى.



