ابراهيم منصور يكتب :إهانة الرئيس!
كنا نظن أن أشياء كثيرة قد انتهت بقيام ثورة 25 يناير، وأن هناك الكثير من المفاهيم قد تغيرت.
ومن بين تلك الأمور تعبير «إهانة الرئىس»، هذا التعبير الذى ورثناه من العهد السابق الفاسد المستبد، ومع هذا لم يكن يستخدمه الرئيس المخلوع مبارك، ولكنه كان سيفًا مسلطا يرفعه ترزيته ضد حرية الرأى والتعبير، وكان دائمًا نص إهانة الرئيس أو مؤسسات الدولة فى
.. ولم تقف تلك المواد وغيرها من القانون أمام ثورة 25 يناير، لتكون إهانة مبارك على الهواء.. وأمام العالم بعد أن أهان شعبه.
.. فلم تمنع تلك القوانين من إهانة مبارك وفضحه وكشف فساده.
.. كنا نعتقد بعد خلع مبارك أنه لم يعد هناك من يقول «إهانة الرئيس».
فليست هناك إهانة للرئىس الذى يسعى إلى كسب أصوات الناس فى انتخابات ديمقراطية.
ألم يتعرض كل المرشحين للرئاسة فى أثناء جولاتهم الانتخابية فى ربوع الوطن لاستجداء أصوات الناخبين، لبعض الإهانات التى وصلت إلى الهجوم عليهم، وطردهم، والبعض رُفع فى وجهه الأحذية؟!
ألم يتعرض الرئىس مرسى نفسه فى أثناء جولاته الانتخابية لمعارضة شديدة رُفعت خلالها إطارات السيارات بعدما أُطلق عليه «الاستبن» بعد أن قدم أوراقه لانتخابات الرئاسة كـ«استبن» لخيرت الشاطر الذى كان متشككًا فى قبول أوراقه للانتخابات بسبب موقفه القانونى.
ألم تكن فى ذلك إهانة..؟!
.. وتقبَّل الجميع ما حدث فى الجولات الانتخابية بصدر رحب واعتبر ذلك معارضة مشروعة ومن حق الناس أن تبدى معارضتها لمواقف المرشحين ما دام كان هناك صندوق للانتخابات.
فلم يعد الرئيس.. «إلهًا».
.. بل إن الرئيس معرَّض للنقد والفضح.. والكشف..
.. وقرارات الرئيس معرَّضة كذلك..
.. لن تكون هناك ديمقراطية دون أن يتعرض الرئيس لهذا النقد والذى يعتبره البعض «إهانة للرئيس».
.. وفى كل التجارب الديمقراطية هناك الرئىس مادة للسخرية والنقد الشديد الذى يصل إلى الإهانة.. ولكن لا الرئىس هناك ولا مؤيدوه ولا محبوه ولا معارضوه يعتبرونها إهانة.
.. فهل تتذكرون عندما قامت الصحافة البريطانية بوصف ورسم رئيس الوزراء بأنه «ذيل» الكلب.. ولم يخرج وقتها بلير أو أحد من أتباعه يتهم الصحافة بإهانة الرئيس (رئيس الوزراء).
فلم يعد لتعبير «إهانة الرئىس» محلا من الإعراب بعد ثورة قامت وأسقطت رأس الدولة.
لكن يبدو أن من يمتلكون السلطة لا يتعظون.
فليس من المعقول بعد ذلك أن نعيد استخدام نفس الأدوات القديمة التى قامت الثورة لتحطيمها.
لقد قامت الثورة من أجل الحرية والكرامة، ولكن ما يحدث الآن ضد الحرية والكرامة.
فليس من المعقول أن يقوم أحد المحامين التابعين لجماعة الرئيس بالتقدم ببلاغات ضد صحفيين وكتاب وجرجرتهم إلى نيابة أمن الدولة للتحقيق معهم فى «إهانة الرئيس»، والرئيس هنا صامت، وربما يخرج علينا متحدثه ويقول إن ذلك من حق المواطنين.. وليس للرئيس علاقة بتلك البلاغات.
فالرئيس له علاقة ونُصّ..
.. فأصحاب تلك البلاغات من جماعته.
إن الأمر جدّ خطير، وسينعكس على حرية الرأى والتعبير والصحافة وعلى الحريات بشكل عام، خصوصا أن الدستور ما زال فى طور الكتابة، وأصبح المتربصون بالحريات كُثرًا، وليس هناك ثقة بأن يكون الدستور معبِّرًا عن الحرية التى طالبت بها الثورة التى لولاها لما كان هؤلاء المتربصون يكتبون الدستور.
فليس مطلوبًا الصمت الآن.. والحرية فى خطر وعلى يد الرئيس محمد مرسى.
.. مطلوب منه وقف تلك المهزلة المتمثلة فى ادعاء «إهانة الرئيس».



